×

حكاية سيد العويل.. حين صار الفتى لغزًا بين النيل والبندقية

الإثنين 13 أكتوبر 2025 02:31 مـ 20 ربيع آخر 1447 هـ
حكاية سيد العويل.. حين صار الفتى لغزًا بين النيل والبندقية

في الجنوب المصري، حيث يلتقي النيل بالأسطورة، وتتشابك حكايات القرى مع رائحة الطمي وصوت الطيور في الفجر، تبدأ قصة "سيد العويل"، الفتى الذي تحول اسمه إلى مثلٍ يروى على ضفاف النيل كلما انحسرت المياه وبان قاع الأرض، وكلما تكررت دورة الفيضان كأنها ذاكرة لا تُمحى.

الأخوار والمريسي.. حين يتحدث النيل بلغته القديمة

عندما يفيض النيل، لا يبدأ بغمر الحقول مباشرة، بل ينساب أولًا في الأخوار — وهي مجاري مائية قديمة تركها النهر خلفه — فتملأها المياه كأنها تستعيد عهدًا قديمًا من الألفة، وحين تنحسر المياه، تبقى الأخوار محتفظة ببعض الحياة، وتُسمى حينها "المريسي"، وهي برك ضحلة تعيش فيها الأسماك عالقة تنتظر الصيادين الذين يعرفون مواسمها.

لكن أهل القرى، المشغولون بجمع الأسماك من المصارف والترع بعد الفيضان، نادرًا ما يهتمون بالمريسي. فقط الصيادون المهرة من بلصفورة هم من يعرفون سر تلك البرك، فيأتون إليها ليلًا، في ضوء القمر، ليحاصروا الأسماك بشباكهم الطويلة، ويربطوا أطرافها بجذوع النخل، ثم يسحبونها إلى اليابسة في مشهدٍ من الجهد والصبر، قبل أن يعودوا فجرًا إلى طما ليبيعوا حصيلتهم في السوق الكبير.

اللقاء الغريب.. فتى في الليل القمري

في إحدى تلك الليالي، حين كانوا يستعدون للعودة، لمح الصيادون فتىً نحيلًا لا يتجاوز الثالثة عشرة، يسير حافي القدمين على الطين، يرتدي جلابية داكنة ويحمل عصًا رفيعة. كان يلتقط البلح المتساقط من النخل العالي، يمسحه بكمّه ثم يأكله بهدوء، غير مبالٍ بالغرباء الذين يراقبونه.

لم يلتفت إليه أحد، حتى اقترب منهم وهو يقول بثقة غريبة:
"عايز نصيبي من السمك قبل ما تحطوه في المركب."
ضحك الرجال ساخرين: "نصيب؟ نصيب إيه يا ولد؟"
فرد الفتى بعناد: "إزاي يعني؟ أنا حرستكم طول الليل من الحرامية. أنا سيد العويل... مش سامعين عني؟ حتى بلاد الغرب تعرفني."

تضاحكوا أكثر، وعدّوه مجنونًا أو شقيًّا من أولاد الطرق، ثم رمى أحدهم سمكة نحوه وهو يهزأ به: "خد نصيبك يا سيد العويل!"
أخذ الفتى السمكة، وابتعد في صمت، بينما تصاعد ضحكهم وسط سكون الليل.

طلقات الفجر.. حين انقلب الليل على الصيادين

حين جدّف الصيادون عائدين في مياه النيل الساكنة، وكانوا قد ابتعدوا عن الشاطئ بنحو عشرين قصبة، دوّى صوت غاضب من خلفهم:
"ارجعوا ورجعوا نصيبي أحسنلكم!"
لم يلتفتوا، لكن فجأة دوّى صوت طلقة، ثم صرخة أحدهم وهو يقول: "أنا اتصبت!"

عادوا مسرعين نحو الشاطئ، فوجدوا الدم يسيل من كفّ رفيقهم، بينما اختفى الفتى. ارتبكوا، وتركوا أحدهم يحرس المركب، وانطلقوا إلى القرية يبحثون عن بيت العمدة أو شيخ المشايخ ليشتكوا.

وصلوا عند فجرٍ بارد إلى دار الشيخ زينهم القص، شيخ مشايخ الهمايرة، القرية الكبيرة التي تتبعها الأخوار والمريسي. كان الشيخ في مصلاه، أما ابنته صفية فاستقبلتهم، وهدأتهم حتى يعود والدها.

الشيخ زينهم القص.. رجل بين الدين والسيف

حين عاد الشيخ، بدا في هيبته المهيمنة: جلباب أبيض ناصع، وعباءة قصيرة، وعمامة ضخمة تذكّر بعصور المماليك. وجه وقور، ولحية بيضاء، وسبحة طويلة سوداء تتحرك بين أصابعه. استمع إليهم في صمت، والرجال يحكون ما جرى بالتفصيل، من الفتى حتى الطلقة.

لم يعلّق الشيخ، بل انسحب إلى غرفته الصغيرة — صومعته — وهناك شمّ فوهة بندقية قديمة كانت محفوظة بعناية. كانت تفوح منها رائحة البارود، ما يعني أنها أُطلقت حديثًا. أغمض عينيه لحظة، وكأنه تلقّى ضربة قدرٍ يعرف صاحبها.

عاد إليهم والهمّ يملأ وجهه. وسأل ابنته:
"سيد شوفتيه يا بنتي؟"
أجابت: "ما باتش في الدار يا أبوي، بس دخل قبل الفجر بشوية، حط البندقية في الصومعة، ونط من فوق الحيطة ومشي."
قال الشيخ بحزنٍ مكتوم: "الله لا يرجعه!"
ثم همس لنفسه: "قال ماشي... يعني رايح من غير رجوع."

الاعتراف الصامت.. حين يشهد الأب على ابنه

عاد الشيخ إلى الرجال، وقال بصوتٍ متهدّج:
"حقكم عليّ يا جماعة... اللي ضربكم ده ابني، سيد العويل. ماحدش في البلد يقدر يعملها غيره. هو ملوّث بصحبة راشد سعفان، الخارج عن القانون، ولو كان يعرف مكانه، كان هرب له من بدري. لكن الحمد لله، ربنا خلصنا منه، وقال بنفسه إنه ماشي."

ساد صمت ثقيل، تلاه صوت أحدهم يقول: "المسامح كريم يا شيخ زينهم."
رد الشيخ: "الكرم لله وحده، لكن أنتم ضيوفي، ما تخرجوش إلا بعد الغدا."
رفضوا بلطف، فأمر أن يُلحق بهم الطعام إلى المراكب.

بيت الشيخ.. الفقر النبيل والخوف القديم

حين هدأ المجلس، انفجرت زوجته بخيتة بنت الشيخ موسى في وجهه. كانت بيضاء، شقراء الشعر، خضراء العينين، لكنها بخيلة، تخاف الفقر كما يخاف الناس الطوفان. بكت وهي تقول: "خروف للضيوف! هو بيتنا ناقص خراب؟!"
لكنه أصر على كرمه، حتى رضخت وأمرت ابنهما كمال أن يحمل للضيوف جديًا صغيرًا بدل الخروف.

لكن البيت المتهالك، بسوره من الطين والبوص، لم يكن بيت شيخٍ كبير، بل مأوى متواضع لرجلٍ كان يومًا سيد قومه. بخيتة كانت السبب، ترفض أن يبنوا بيتًا جديدًا بعد أن هدم "العدوان" بيتهم القديم. تكرر دائمًا بدموعها: "أنا اللي عرفت إن مفيش غارة تانية تاني يا شيخ!" فيسكتها، مغلوبًا بحنينٍ وشفقة.

صفية.. الفتاة التي رأت أخاها يرحل

بعد أن غادر الضيوف، نادى الشيخ على ابنته صفية وسألها:
"يا بنتي، قولي الحقيقة، أخوكي قالك إيه وهو ماشي؟"
ترددت قليلًا ثم قالت:
"كنت ماسكة كم جلابيته أشده، فطلع في إيدي. قلت له استنى أجيب لك جلابية العيد. لبسها ومشي. قال لي: أنا ماشي... ودعا علينا كلنا وعلى البلد كمان."

صرخت أمها: "يا خراب بيتي!"
لكن الشيخ سألها بهدوء: "ما قالش رايح فين؟"
قالت صفية: "ما قالش يا أبوي، بس أنا قلت له روح إسنا، واديته كل اللي معايا."
نظرت أمها إليها فزعة: "كل اللي معاكي؟!"
قالت صفية بخجل: "جنيه وتلاتة ريال وعشرين خردة."
ضحك الشيخ في مرارة وقال: "ربنا يبارك فيكي يا بنتي."

النهاية المفتوحة.. حين يرحل العويل

خرج الشيخ من بيته، ونادى خفيره أبو زيد سرًا، وقال له:
"لو سمعت خبر عن سيد، طمني من غير ما تحسسه إني قلقان عليه. قوله بس إن اللي عمله عيب، وإن أبوه مش زعلان، بس عايزه يرجع. تعالى طمني أول ما تعرف حاجة."

ثم جلس على مصطبة الطين أمام داره، والسبحة السوداء ما زالت بين أصابعه، وعيناه على الأفق، كأنهما تبحثان في صفحة النيل عن ظلّ الفتى الذي رحل، سيد العويل...
الذي صار اسمه، مع الأيام، حكايةً تتردّد في الريف، بين المريسي والنخيل، عن فتى خرج من بيت أبيه بالبندقية القديمة، ومضى "ماشي"... ولم يعد.