في قلب التاريخ، بين وهج الأسطورة ووقائع العلم، تظل قصة مكتبة الإسكندرية القديمة واحدة من أكثر الحكايات إثارة للجدل، هل أُحرقت على يد عمرو بن العاص فعلًا؟ أم أن تلك الرواية مجرد خيال متأخر؟
تشير الدراسات التاريخية الحديثة، ومنها ما كتبه عدد من الباحثين في التراثين الإغريقي والعربي، إلى أن ما يعرف بـ"مكتبة الإسكندرية العظمى" كانت قد فقدت مجدها قبل قرون من دخول العرب إلى مصر، وأنها تعرضت لسلسلة من الكوارث والتقلبات السياسية التي أنهكتها حتى زوالها الكامل.
البدايات: من منارة العلم إلى رماد الإمبراطور
كانت مكتبة الإسكندرية، التي أنشأها بطليموس الأول في القرن الثالث قبل الميلاد، أكبر مركز علمي في العالم القديم، تضمنت أكثر من 700 ألف لفافة بردي تغطي علوم الفلك، الطب، الفلسفة، الرياضيات، والموسيقى.
إلا أن هذه المؤسسة الفكرية العظيمة لم تصمد أمام الصراعات الكبرى التي ضربت المدينة، فخلال الحرب الأهلية بين يوليوس قيصر وبومبي عام 48 قبل الميلاد، شب حريق هائل في الميناء امتد إلى المخازن القريبة من القصر الملكي، حيث كانت تحفظ أجزاء كبيرة من مكتبة الإسكندرية، ويعتقد أن هذا الحريق هو الذي دمر الجزء الأكبر من محتوياتها.
ثم جاء عصر المسيحية في القرن الرابع الميلادي، فأصدر الإمبراطور ثيودوسيوس الأول أوامره بإغلاق المعابد الوثنية، ما أدى إلى تدمير مكتبة "السيرابيوم"، وهي المكتبة الثانية في الإسكندرية التي كانت تضم بقايا المخطوطات القديمة، عند هذه النقطة، كانت المكتبة، عمليًا، قد انتهت.
عمرو بن العاص... بين الأسطورة والتاريخ
بعد قرون، ومع دخول عمرو بن العاص مصر عام 641م، كانت الإسكندرية مدينة تجارية ساحلية يطغى عليها طابع مسيحي بيزنطي، ولم يكن هناك أثر لمكتبة قائمة بالمعنى المعروف.
الرواية التي تزعم أن عمرو أحرق مكتبة الإسكندرية ظهرت للمرة الأولى بعد الفتح الإسلامي بنحو ستة قرون، كتبها مؤرخ سوري يدعى ابن القفطي، ونقلها عنه لاحقًا ابن العبري، وأضاف إليها حوارًا دراميًا بين عمرو والخليفة عمر بن الخطاب، أمر فيه الأخير بإحراق الكتب.
لكن المدهش أن هذه القصة لا وجود لها في أي مصدر إسلامي أو مسيحي سابق، لا عند الطبري ولا البلاذري ولا المقريزي، الذين تناولوا فتح مصر بالتفصيل.
شواهد تنفي الحرق
الباحثون المحدثون مثل "لويس دي كونت"، و"ألفرد بتلر"، وحتى بعض المستشرقين المنصفين، أكدوا أن تلك الرواية جاءت في إطار حملة سياسية أوروبية قديمة لتشويه الفتح الإسلامي، خصوصًا في القرون التي تلت الحروب الصليبية، حين كان يراد تصوير العرب كأعداء للعلم والحضارة.
الحقيقة أن الإسلام، منذ بداياته، دعا إلى العلم والمعرفة، وكانت أول آية نزلت على النبي محمد ﷺ هي "اقرأ"، فكيف يمكن لدين جعل "العلم فريضة" أن يأمر بحرق الكتب؟
من الإسكندرية إلى بغداد.. رحلة المعرفة
ما لم تستطع النيران تدميره، أنقذته العقول، فعندما أقام الخلفاء العباسيون دار الحكمة في بغداد في القرن الثامن الميلادي، كان الهدف هو جمع وترجمة المعارف القديمة، بما في ذلك ما تبقى من التراث الإغريقي.
هناك، في قاعات مضاءة بالمشاعل، عمل المترجمون العرب والفرس والسريان على نقل مؤلفات أفلاطون وأرسطو وأبقراط إلى العربية، ثم شرحها وتطويرها.
لم تكن تلك الترجمات مجرد حفظ للنصوص، بل بعث جديد للعقل الإنساني، فقد كتب الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد شروحًا جعلت الفلسفة علمًا حيًا، يمزج بين المنطق والتجربة والعقيدة.
حين أنارت بغداد طريق أثينا
بقي هذا التراث محفوظًا في المخطوطات العربية حتى القرن الثاني عشر، حين بدأت أوروبا نهضتها الفكرية بفضل تلك الترجمات، ففي مدن مثل طليطلة وقرطبة وصقلية، جلس علماء أوروبا يدرسون كتب أرسطو وأفلاطون بشروح العلماء المسلمين، لتولد من هناك بذرة عصر النهضة الأوروبية.
لقد رحلت مكتبة الإسكندرية جسدًا، لكنها عاشت روحًا في عقول العلماء العرب، الذين أعادوا للعالم ذاكرته الفكرية.
الحقيقة التي لا تُحرق
هكذا، لا يمكن القول إن عمرو بن العاص أحرق مكتبة الإسكندرية، لأن ما كان موجودًا وقت الفتح لم يكن إلا بقايا رمادها القديم.
أما الذين حفظوا جوهرها – العلم والفكر والفلسفة – فكانوا أولئك الذين رفعوا شعار المعرفة فوق كل خلاف.
فالعرب، بدلًا من أن يحرقوا، أضاءوا، وبدلًا من أن يمحوا، كتبوا من جديد.
لقد أطفأوا نيران الأسطورة، وأشعلوا شموع الحضارة.