من رمال الجيزة إلى عرش باريس.. حكاية عودة نابليون من مصر
في مساء من أمسيات أكتوبر عام 1799، كانت شواطئ فرنسا تستقبل رجلًا عاد من صحراء الشرق محملًا بالأحلام والانكسارات معًا، هو نابليون بونابرت، القائد الذي قاد حملة عسكرية إلى مصر باسم الجمهورية الفرنسية، وعاد منها ليفتح فصلًا جديدًا في تاريخه، وتاريخ أوروبا بأكملها.
لم تكن رحلة نابليون إلى مصر مغامرة عسكرية فحسب، بل كانت حملة علمية وثقافية غير مسبوقة، فعندما غادر مرسيليا عام 1798 متجهًا إلى الإسكندرية، حمل معه جيشًا من الجنود والعلماء والمهندسين والمستشرقين، هدفهم المعلن فتح طريق تجاري إلى الشرق، وقطع النفوذ البريطاني عن الهند، لكن الحملة سرعان ما تحولت إلى تجربة استعمارية معقدة كشفت تداخل الطموح العسكري بالفضول العلمي.
واجه نابليون مقاومة شرسة من المصريين، بدأت منذ معركة إمبابة وبلغت ذروتها في ثورة القاهرة الأولى عام 1798، حين انتفض الشعب ضد الوجود الفرنسي. ورغم محاولاته لتهدئة الوضع بإعلان احترامه للإسلام وادعاءه محاربة المماليك لا المصريين، فإن الحملة غرقت في صراع مستمر بين الغزو والمثاقفة، بين البندقية والكتاب.
تغير مسار الحملة تمامًا بعد معركة أبي قير البحرية، حين دمر الأسطول البريطاني بقيادة نيلسون السفن الفرنسية، فعزل نابليون عن أوروبا، وبات جيشه محاصرًا في مصر ورغم ذلك، واصل نشاطه العلمي والسياسي، فأسس المجمع العلمي المصري، الذي أصبح لاحقًا نواة لدراسة تاريخ وحضارة مصر القديمة.
لكن أنباء الفوضى في فرنسا ووهن الحكومة جعلته يقرر الرحيل، وفي أغسطس 1799، غادر الإسكندرية سرًا على متن فرقاطة صغيرة متجهًا إلى فرنسا، تاركًا وراءه جيشًا في حيرة من أمره، عبر البحر المتوسط وسط الخطر البريطاني، ووصل إلى ميناء طولون بعد رحلة محفوفة بالمغامرة.
كان المشهد في باريس مضطربًا: الحكومة ضعيفة، والاقتصاد منهك، والناس يبحثون عن منقذ فجاء نابليون، الشاب الذي لم يتجاوز الثلاثين، كبطل عائد من الشرق، فاستقبله الناس بهتافات تمجد انتصاراته في مصر، متناسين إخفاقاته العسكرية، وبعد أسابيع قليلة فقط من عودته، قاد انقلاب الثامن عشر من برومير (نوفمبر 1799)، الذي أنهى عهد الثورة الفرنسية وفتح الطريق أمام عصر الإمبراطورية.
كانت عودة نابليون من مصر أكثر من مجرد رحلة عسكرية فاشلة تحولت إلى نصر سياسي، كانت نقطة تحول في التاريخ الأوروبي، فقد عاد الرجل الذي رأى أبا الهول والأهرام محملًا بفكرة السيطرة على العالم، ومعه إرث علمي وثقافي أعاد رسم صورة الشرق في المخيلة الغربية.
من رمال الجيزة إلى قصور باريس، انتقل نابليون من قائد محاصر في مصر إلى حاكم مطلق في فرنسا وهكذا، كانت عودته من الشرق بداية أسطورة جديدة، صنعها رجل أدرك أن الهزيمة أحيانًا طريق إلى المجد.
