×

بعد السيطرة على المخا.. تقدم الحوثيين يعيد رسم خريطة النفوذ قرب باب المندب

الجمعة 18 سبتمبر 2026 03:00 مـ 5 ربيع آخر 1448 هـ
.
.

أعاد التقدم العسكري للحوثيين وسيطرتهم على مدينة المخا الساحلية جنوب غربي اليمن، إلى جانب تقدمهم على امتداد ساحل مضيق باب المندب، رسم خريطة جديدة للصراع اليمني، وسط تداعيات تتجاوز الداخل اليمني إلى أمن البحر الأحمر وحركة الملاحة الدولية.

وتكتسب مدينة المخا أهمية استراتيجية بسبب موقعها القريب من مضيق باب المندب، الذي يربط خليج عدن بالبحر الأحمر وصولًا إلى قناة السويس، ما يمنح السيطرة على المناطق المحيطة بالمضيق أهمية كبيرة في حسابات الأمن البحري والتجارة الدولية.

وتأتي التطورات الجديدة بعد سنوات شهدت انخفاضًا نسبيًا في حدة المواجهات منذ الهدنة التي جرى التوصل إليها عام 2022، إلا أن تغير خطوط السيطرة يثير مخاوف من عودة العمليات العسكرية إلى مستويات أكثر اتساعًا.

وجاء التقدم الحوثي على الساحل الغربي عقب هجوم على مواقع تابعة للقوات الموالية للحكومة، انتهى بانسحاب تلك القوات من المخا وعدد من المناطق المحيطة والجزر القريبة.

وكشفت التطورات عن استمرار التباينات داخل المعسكر المناهض للحوثيين، الذي يضم تشكيلات عسكرية متعددة تختلف في توجهاتها السياسية وأولوياتها ومناطق انتشارها.

ورغم المحاولات التي جرت منذ مطلع عام 2026 لزيادة التنسيق بين هذه القوات ووضعها داخل هيكل قيادة أكثر تماسكًا، فإن آثار سنوات الانقسام ظلت حاضرة في المشهد الميداني.

وفي المقابل، استفاد الحوثيون من فترة الهدوء النسبي التي أعقبت هدنة 2022 في تعزيز قدراتهم العسكرية وزيادة أعداد المقاتلين وتطوير قدراتهم في مجال الصواريخ والطائرات المسيرة وإنتاج بعض أنواع الأسلحة محليًا.

ويفتح التقدم على الساحل اليمني تساؤلات حول تأثير السيطرة الجديدة في أمن مضيق باب المندب، خاصة في ضوء الهجمات التي شهدها البحر الأحمر على السفن منذ عام 2023.

وسبق أن أعلن الحوثيون عدم اعتزامهم فرض رسوم عبور رسمية على السفن في باب المندب، إلا أن استمرار التوتر الأمني في المنطقة يجعل حركة الملاحة عرضة للتأثر بأي تصعيد جديد.

وتزداد أهمية المضيق بسبب تعدد جنسيات الشركات التي تملك أو تدير أو تؤمن السفن العابرة له، ما يعني أن أي هجمات على سفن مرتبطة بمصالح دولة بعينها يمكن أن تمتد آثارها إلى اقتصادات وأسواق متعددة.

وقد تشمل التداعيات شركات أوروبية وآسيوية وشركات تأمين وشحن دولية، إلى جانب تأثيرات محتملة في أسعار النقل والطاقة وسلاسل الإمداد.

كما يزيد موقع جزيرة بريم بالقرب من جيبوتي من حساسية المشهد، في ظل وجود قواعد ومصالح عسكرية لعدد من القوى الدولية في المنطقة، من بينها الولايات المتحدة والصين وفرنسا وإيطاليا واليابان.

وتستضيف منطقة القرن الأفريقي كذلك مصالح أمنية وتجارية لقوى إقليمية ودولية أخرى، ما يجعل أي تحول في ميزان السيطرة قرب باب المندب محل متابعة واسعة.

وتشير طبيعة التحركات الحالية إلى محاولة الحوثيين الاستفادة من المكاسب العسكرية في زيادة نفوذهم السياسي والاقتصادي، مع تجنب الوصول إلى مستوى من التصعيد قد يؤدي إلى تدخل دولي واسع.

وتضع هذه التطورات المملكة العربية السعودية أمام حسابات أمنية جديدة، خاصة مع استمرار التوتر المرتبط بالهجمات الحوثية على أراضيها.

كما تواجه الولايات المتحدة معادلة معقدة بين دعم أمن حلفائها في المنطقة والرغبة في تجنب الانخراط مجددًا في مواجهة عسكرية واسعة ومكلفة مع الحوثيين.

وكانت واشنطن قد توصلت في مايو 2025 إلى هدنة مع الحوثيين بعد حملة من الغارات الجوية التي جاءت على خلفية الهجمات ضد السفن في البحر الأحمر.

ويوفر استمرار هذه الهدنة دوافع للطرفين لتجنب المواجهة المباشرة، إذ تسعى الولايات المتحدة إلى الحد من فتح جبهة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط، بينما يدرك الحوثيون تكلفة العودة إلى صدام عسكري مباشر مع القوات الأمريكية.

لكن استمرار هذا التوازن يبقى مرتبطًا بحجم التصعيد خلال الفترة المقبلة، خاصة إذا توسعت الهجمات الحوثية ضد الأراضي السعودية أو امتدت إلى تحركات برية بالقرب من الحدود.

وعلى المستوى الإنساني، تأتي التطورات الجديدة في وقت يعاني فيه اليمن من تراجع اقتصادي وانقسام المؤسسات وانخفاض مستويات الدعم الإنساني الدولي.

وتشير التقديرات الواردة إلى نزوح ما يقرب من 50 ألف شخص في تعز منذ 3 سبتمبر، بالتزامن مع تدهور الأوضاع في عدد من المناطق المتأثرة بالقتال.

وفي المخا، تزداد المخاوف بشأن قدرة المنشآت الصحية على تقديم الخدمات للسكان، في ظل تعطل بعض المرافق أو صعوبة الوصول إليها.

كما تشير التقديرات إلى أن أكثر من 240 امرأة حامل في المنطقة قد يواجهن صعوبات في الحصول على الرعاية الطبية اللازمة خلال عمليات الولادة.

ولا تقتصر التداعيات الإنسانية على القطاع الصحي، إذ يمكن لأي اضطراب إضافي في الموانئ والطرق وسلاسل الإمداد أن يؤدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء والوقود والنقل.

وتزداد خطورة هذه التأثيرات في ظل اعتماد اليمن بدرجة كبيرة على الواردات لتوفير الاحتياجات الأساسية للسكان.

وتكشف التطورات الأخيرة عن الترابط المتزايد بين الملف اليمني وأمن الملاحة في البحر الأحمر وأمن الخليج والقرن الأفريقي وأسواق الطاقة والتجارة الدولية.

كما تبرز الحاجة إلى التعامل مع المفاوضات السياسية والأوضاع الإنسانية وأمن الملاحة باعتبارها ملفات مترابطة يصعب فصل أحدها عن الآخر.

وبالنسبة إلى دول مجلس التعاون الخليجي، تمثل التطورات اختبارًا لقدرتها على تنسيق مواقفها تجاه الملف اليمني في ظل اختلاف علاقاتها ومصالحها مع الأطراف الموجودة على الأرض.

وتشير التطورات إلى أن التحولات العسكرية على الساحل الغربي لم تعد مرتبطة فقط بخريطة السيطرة داخل اليمن، وإنما أصبحت جزءًا من معادلة أوسع تشمل باب المندب والبحر الأحمر وأمن التجارة الدولية.

ويبقى المسار السياسي والإنساني عنصرًا أساسيًا في أي محاولة لاحتواء التصعيد، في ظل مخاطر تحول الصراع اليمني من أزمة محلية ممتدة إلى مصدر إضافي للتوتر الإقليمي والدولي.