بعد عام على أحداث السويداء.. أم سورية تستعيد مأساة فقدان زوجها وأبنائها وتطالب بالعدالة
بعد مرور عام على أحداث يوليو 2025 التي شهدتها محافظة السويداء جنوب سوريا، عادت تفاصيل المأساة التي عاشتها أسرة آل عرنوس إلى الواجهة، بعدما استرجعت دينا الزاقوت، والدة الضحايا، الساعات الأخيرة التي سبقت فقدان زوجها وأبنائها، في واقعة وصفتها بأنها غيّرت حياتها إلى الأبد وتركت جرحًا لا يندمل.
وقالت الزاقوت، في شهادتها التي نقلتها وكالة "فيوري"، إنها ما زالت تعيش تفاصيل تلك الأيام القاسية، مستعيدة اللحظات الأخيرة التي جمعتها بأفراد أسرتها قبل رحيلهم، موضحة أنها لم تكن تدرك أن وداعها لهم قبل مغادرتهم المنزل سيكون اللقاء الأخير.
وتوثق المشاهد المرتبطة بالحادثة صور الضحايا إلى جانب بعضهم البعض، فضلًا عن شهاداتهم وأوراقهم الدراسية التي تحتفظ بها والدتهم، حيث ظهرت وهي تبكي بحرقة وتقبّل صور أبنائها، في مشهد يعكس حجم الألم الذي تعيشه منذ فقدانهم.
كما أظهرت اللقطات المنزل الذي وقعت فيه الواقعة، والشرفة التي تقول الأسرة إن الضحايا أُجبروا على إلقاء أنفسهم منها، إلى جانب آثار إطلاق النار التي ظهرت على جدران المنزل ومدخل البناء السكني وموقع سقوط الضحايا.
وأكدت دينا الزاقوت أن أبناءها كانوا يجمعون شهاداتهم وأوراقهم قبل مغادرة المنزل، في الوقت الذي كانت فيه الأوضاع الأمنية في المدينة تشهد حالة من التوتر الشديد نتيجة تصاعد الاشتباكات والقصف.
وأضافت أن أبناءها عادوا إلى المبنى بعد اشتداد عمليات القصف والقنص بحثًا عن مكان أكثر أمانًا، إلا أن مجموعة مسلحة اقتحمت المكان، وفق روايتها، وبدأت في تفتيش الشقق ومصادرة الهواتف، قبل وقوع الحادث الذي أدى إلى فقدان زوجها وأبنائها.
وأوضحت والدة الضحايا أن زوجها وأبناءها، معاذ وبراء عرنوس، إضافة إلى ابن عمهم أسامة عرنوس، فقدوا حياتهم خلال تلك الواقعة، مؤكدة أن أبناءها تعرضوا للتهديد وأُجبروا على إلقاء أنفسهم من شرفة المنزل، مشيرة إلى وجود مقاطع مصورة للحادث التقطتها هواتف منفذي الواقعة.
وقالت الزاقوت إنها ما زالت تتمسك بذكريات أبنائها وما تركوه من أثر في حياتها، مؤكدة أنها لن تنسى ما حدث، وأن دماءهم ستظل أمانة في عنقها حتى آخر يوم في عمرها.
ومن داخل المنزل الذي شهد الحادث، تحدث معتز أبو حسون، صاحب العقار، عن تفاصيل ما شاهده، مؤكدًا أن مجموعة مسلحة اقتحمت المكان، وأن الواقعة تركت آثارًا مؤلمة لدى سكان المنطقة الذين عاشوا تلك الأحداث.
وكان مقطع فيديو قد انتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي في 15 يوليو 2025، يظهر مجموعة من العناصر المسلحة وهم يجبرون ثلاثة شبان على إلقاء أنفسهم من شرفة منزل، مع ظهور إطلاق نار خلال الواقعة، وذلك عقب إعلان قوات الحكومة السورية الانتقالية بدء الدخول إلى المدينة، بعد اشتباكات اندلعت بين المكون الدرزي وسكان من البدو في 13 يوليو من العام نفسه.
وفي الذكرى السنوية الأولى للأحداث، وصف الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز في السويداء، حكمت الهجري، أحداث يوليو 2025 بأنها "محطة مفصلية" كشفت مواقف الأطراف المختلفة تجاه المحافظة، منتقدًا الحكومة السورية الانتقالية ومتهمًا إياها بارتكاب انتهاكات خلال تلك الفترة، كما أشاد بدور الجهات الأممية، ووجه الشكر لإسرائيل معتبرًا أن تدخلها حال دون وقوع ما وصفه بـ"إبادة جماعية".
وفي المقابل، أعلنت لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة، في 27 مارس الماضي، توثيق انتهاكات واسعة خلال أحداث السويداء، تضمنت عمليات قتل وتعذيب وحرق منازل ودور عبادة، مشيرة إلى مقتل أكثر من 1700 شخص ونزوح نحو 200 ألف آخرين، مع إمكانية تصنيف بعض الانتهاكات ضمن جرائم الحرب.
من جانبها، أقرت الحكومة السورية الانتقالية بوقوع انتهاكات من مختلف الأطراف خلال العمليات، وأكدت فتح تحقيقات بشأنها، كما تعهد رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع بمحاسبة المسؤولين عن تلك الوقائع.
وفي سبتمبر 2025، أعلن الشرع تشكيل لجنة تحقيق وطنية لتقصي الحقائق حول أحداث السويداء، والتي أشارت إلى دخول بعض المقاتلين الأجانب بشكل فردي وعشوائي، بينما نفت وجود قوة أجنبية منظمة داخل المحافظة.
كما أعلنت سوريا والأردن والولايات المتحدة التوصل إلى "خريطة طريق" لحل أزمة السويداء في سبتمبر 2025، إلا أن تنفيذ بنودها لم يتحقق حتى الآن، وسط رفض اللجنة القانونية العليا في السويداء لها، بدعوى تحميل الحكومة الانتقالية مسؤولية الانتهاكات التي طالت المدنيين.
ومع استمرار تداعيات الأحداث، تصاعدت مطالب بعض أهالي السويداء بشأن حق تقرير المصير، سواء من خلال الإدارة الذاتية أو الانفصال، باعتباره خيارًا لضمان الأمن والكرامة والوجود، وفق ما يطرحونه.
وتظل أحداث يوليو 2025 في السويداء واحدة من أكثر الملفات حساسية في المشهد السوري خلال المرحلة الانتقالية، في ظل استمرار التحقيقات والمطالبات بالمحاسبة والعدالة، وسط محاولات إقليمية ودولية للتوصل إلى حلول تنهي حالة التوتر وتحفظ الاستقرار في المحافظة.
