×

خريطة نتنياهو تثير الجدل.. لماذا وضع السودان في محور والدعم السريع ضمن دائرة إسرائيل والإمارات؟

الإثنين 2 نوفمبر 2026 01:13 مـ 21 جمادى أول 1448 هـ
نتنياهو
نتنياهو

أثارت الخريطة التي عرضها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بشأن التحالفات والاصطفافات الإقليمية في المنطقة، حالة واسعة من التساؤلات حول مستقبل السودان، بعدما ظهر السودان ضمن دائرة تضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان، في حين أُدرجت مناطق سيطرة قوات الدعم السريع ضمن دائرة أخرى قريبة من إسرائيل والإمارات.

ويفتح هذا التصنيف الباب أمام تساؤلات مهمة بشأن طبيعة المصالح المتشابكة في الحرب السودانية، ومدى ارتباط الصراع الداخلي بالتنافس الإقليمي والدولي على النفوذ في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، خاصة في ظل استمرار المواجهات العسكرية وتعدد الأطراف الخارجية المؤثرة في مسار الأزمة.

ولا يقتصر الأمر على مجرد اختلاف الألوان والدوائر داخل الخريطة، بل يعكس تصورًا جيوسياسيًا لطبيعة التحالفات المحتملة، ويطرح تساؤلات حول كيفية تعامل القوى الإقليمية والدولية مع السودان، باعتباره دولة ذات أهمية استراتيجية كبيرة.

خريطة نتنياهو.. كيف جرى تصنيف السودان وقوات الدعم السريع؟

في 18 أكتوبر 2026، عرض بنيامين نتنياهو خريطة للتحالفات الإقليمية خلال إحاطة إعلامية تناولت الرؤية الأمنية الإسرائيلية الجديدة، والتحديات التي تواجه إسرائيل في محيطها الإقليمي.

وتضمنت الخريطة ثلاثة تجمعات رئيسية، من بينها ما أُطلق عليه «التحالف السداسي»، الذي يتمحور حول إسرائيل والإمارات، إلى جانب ما عُرف باسم «الماسة السنية»، التي تضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان، فضلًا عن محور إيران وحلفائها.

ووفقًا للتصنيف الوارد بالخريطة، ظهرت إسرائيل والإمارات باللون الأزرق الداكن، بينما ظهرت مناطق سيطرة قوات الدعم السريع باللون الأزرق الفاتح، ضمن دائرة الأطراف القريبة من هذا التجمع.

وفي المقابل، جرى إدراج السودان باللون الأخضر الفاتح ضمن الدائرة المرتبطة بمصر والسعودية وتركيا وباكستان.

ويكتسب هذا التصنيف أهمية خاصة لأنه يفصل بين السودان باعتباره دولة ومؤسسات، وبين قوات الدعم السريع باعتبارها قوة عسكرية تسيطر على أجزاء من أراضيه، وتخوض حربًا ضد الجيش السوداني منذ أبريل 2023.

ومع ذلك، لا ينبغي التعامل مع الخريطة باعتبارها وثيقة رسمية لإثبات وجود تحالفات عسكرية أو اتفاقيات سياسية بين جميع الأطراف المدرجة بها، وإنما باعتبارها تصورًا جيوسياسيًا لطبيعة الاصطفافات والتقارب في المصالح من وجهة نظر معدّيها.

مصدر الخريطة ودلالات توظيفها في الرؤية الإسرائيلية

بحسب المعلومات الواردة بشأن الخريطة، فإنها تستند إلى دراسة أعدها الباحثان مارك ساكسِر وماركوس شنايدر، ونشرتها مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية في مايو 2026.

وتتناول الدراسة التحولات التي تشهدها موازين القوى الإقليمية، واحتمالات ظهور تكتلات جديدة تتجاوز التحالفات التقليدية، في ظل تزايد أهمية المصالح الأمنية والاقتصادية والجغرافية بين دول الشرق الأوسط والقرن الأفريقي.

لكن إعادة عرض نتنياهو للخريطة خلال تقديم رؤيته للأمن القومي الإسرائيلي أضفت عليها أبعادًا سياسية إضافية، خاصة أنها تتزامن مع تحركات إسرائيلية لتوسيع شبكة علاقاتها الإقليمية وتعزيز حضورها في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية.

كما أن توقيت عرض الخريطة، قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر 2026، يفتح المجال أمام قراءات تتعلق بالرسائل السياسية الداخلية، ومحاولة تقديم نتنياهو باعتباره قادرًا على تعزيز موقع إسرائيل وحماية مصالحها الإقليمية.

ومن ثم، فإن الخريطة لا تقدم مجرد توزيع جغرافي للدول والقوى، بل تعكس تصورًا إسرائيليًا لطبيعة التوازنات الجديدة، والأطراف التي يمكن أن تتقاطع مصالحها مع توجهات تل أبيب.

لماذا ظهر السودان في محور ومناطق الدعم السريع في محور آخر؟

يمثل الفصل بين السودان وقوات الدعم السريع أبرز النقاط المثيرة للجدل في الخريطة، إذ يعكس التمييز بين الدولة السودانية ومؤسساتها الرسمية، وبين القوى المسلحة التي تسيطر على مناطق داخل أراضيها.

فالسودان يرتبط بمصالح استراتيجية مباشرة مع مصر والسعودية وتركيا وباكستان، سواء فيما يتعلق بالأمن الإقليمي أو العلاقات الاقتصادية والعسكرية أو الحفاظ على وحدة الأراضي السودانية.

وفي المقابل، جرى وضع مناطق سيطرة الدعم السريع ضمن دائرة قريبة من إسرائيل والإمارات، في تصنيف يرتبط بقراءة أوسع لشبكات النفوذ والعلاقات الإقليمية في السودان والقرن الأفريقي.

لكن هذا التصنيف لا يعني أن قوات الدعم السريع أبرمت اتفاقية تحالف معلنة مع إسرائيل، كما لا يمثل دليلًا قاطعًا على وجود تنسيق عسكري مباشر بين الطرفين.

وتكمن أهمية هذه النقطة في أن السيطرة على الأراضي والموارد والمعابر الحدودية أصبحت أحد العوامل الرئيسية المؤثرة في الحسابات الإقليمية، وهو ما يجعل السودان ساحة تتداخل فيها اعتبارات السيادة الوطنية مع المصالح الدولية والإقليمية.

المصالح الإماراتية والإسرائيلية.. لماذا يحظى السودان بهذه الأهمية؟

لا يمكن قراءة موقع قوات الدعم السريع في الخريطة بمعزل عن المصالح الإماراتية في السودان والقرن الأفريقي، وطبيعة العلاقات الاستراتيجية التي تربط أبوظبي بتل أبيب.

فالإمارات تمتلك حضورًا اقتصاديًا واستراتيجيًا مؤثرًا في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، حيث تتداخل مصالحها مع الموانئ والممرات البحرية وخطوط التجارة ومشروعات البنية التحتية، إلى جانب الأبعاد الأمنية والسياسية.

ويكتسب السودان أهمية استثنائية في هذه الحسابات، نظرًا لموقعه المطل على البحر الأحمر، وامتلاكه ساحلًا طويلًا وموانئ مهمة، فضلًا عن ثرواته الزراعية والمعدنية وموقعه الجغرافي الذي يربط شمال أفريقيا بالقرن الأفريقي ومنطقة الساحل.

وفي هذا السياق، تتواصل الاتهامات الموجهة إلى الإمارات بتقديم دعم عسكري ولوجستي لقوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي.

كما تبرز تقارير وتحقيقات دولية تناولت شبكات عابرة للحدود يُشتبه في تورطها بتوفير الأسلحة والإمدادات والتدريب والمقاتلين الأجانب للقوات، مع الإشارة إلى أدوار لجهات وشبكات مرتبطة بالإمارات، وفقًا لما أوردته تلك التقارير.

ومع ذلك، تظل هناك ضرورة للفصل بين الاتهامات المتعلقة بالدعم العسكري واللوجستي، وبين الادعاء بوجود تحالف سياسي أو عسكري مباشر بين إسرائيل وقوات الدعم السريع، إذ لا تكفي الخريطة وحدها لإثبات مثل هذه العلاقة.

البحر الأحمر والقرن الأفريقي.. ساحة التنافس الإقليمي

تتجاوز أهمية السودان حدود الحرب الداخلية، إذ يمثل موقعه الجغرافي حلقة اتصال مهمة بين البحر الأحمر والقرن الأفريقي وشمال أفريقيا ومنطقة الساحل.

ويعد البحر الأحمر أحد أهم الممرات التجارية والاستراتيجية على مستوى العالم، حيث تمر عبره حركة كبيرة من التجارة الدولية وشحنات الطاقة بين آسيا وأوروبا، فضلًا عن ارتباطه المباشر بقناة السويس ومضيق باب المندب.

ومن هنا، فإن امتلاك نفوذ سياسي أو عسكري داخل السودان يمكن أن يمنح الأطراف الإقليمية قدرة أكبر على التأثير في التوازنات الأمنية والاقتصادية بالمنطقة.

وتبرز إثيوبيا باعتبارها أحد العناصر المهمة في هذه المعادلة، خاصة مع ظهورها ضمن الدائرة القريبة من إسرائيل والإمارات في الخريطة، مقابل إدراج السودان وإريتريا والصومال ضمن الدائرة المقابلة.

ويشير هذا التوزيع إلى أن التصور المعروض لا يقتصر على الحرب السودانية، بل يتناول شبكة أوسع من المصالح والتحالفات المحتملة في منطقة القرن الأفريقي.

وبالتالي، أصبح السودان جزءًا من معادلة إقليمية معقدة تتداخل فيها المصالح التجارية والأمنية والعسكرية، مع التنافس على الموانئ والممرات البحرية ومصادر الطاقة والموارد الطبيعية.

لماذا تتمسك مصر والسعودية باستقرار السودان؟

يمثل ظهور السودان ضمن الدائرة المرتبطة بمصر والسعودية وتركيا وباكستان انعكاسًا لتقاطع مجموعة من المصالح الاستراتيجية، التي تجعل استقرار الدولة السودانية أولوية بالنسبة إلى عدد من القوى الإقليمية.

وبالنسبة إلى مصر، يمثل السودان عمقًا استراتيجيًا مباشرًا، في ظل الحدود المشتركة والارتباط الوثيق بين أمن البلدين، فضلًا عن المصالح المتعلقة بنهر النيل والأمن الحدودي ومنع انتشار الجماعات المسلحة.

كما أن استمرار الحرب السودانية يفرض تحديات إضافية على الأمن القومي المصري، سواء من الناحية الأمنية أو الاقتصادية أو الإنسانية، وهو ما يجعل الحفاظ على وحدة السودان واستقرار مؤسساته مسألة ذات أهمية بالغة.

أما السعودية، فتنظر إلى استقرار السودان باعتباره جزءًا من أمن البحر الأحمر، خاصة أن استمرار الصراع قد يؤدي إلى زيادة المخاطر على الملاحة البحرية، وتوسيع نطاق الاضطرابات في الدول المطلة على المنطقة.

وفي المقابل، تمثل العلاقات التركية السودانية امتدادًا للمصالح التركية في القارة الأفريقية، بينما يأتي وجود باكستان ضمن هذا التجمع في إطار التقارب السياسي والدفاعي مع السعودية.

ولا يعني ذلك بالضرورة تطابق مواقف الدول الأربع بشأن جميع تفاصيل الأزمة السودانية، لكنه يعكس وجود مصالح مشتركة تتعلق بمنع تفكك الدولة وتجنب اتساع نطاق الفوضى الإقليمية.

هل يمثل التصنيف تحالفًا رسميًا بين إسرائيل والدعم السريع؟

رغم الجدل الذي أثاره إدراج مناطق سيطرة قوات الدعم السريع ضمن الدائرة القريبة من إسرائيل والإمارات، فإن اعتبار ذلك دليلًا قاطعًا على وجود تحالف رسمي بين الطرفين يمثل استنتاجًا يتجاوز المعلومات المتاحة.

فالخريطة تعبر عن تصورات بشأن درجات التقارب والاصطفاف السياسي والاستراتيجي، ولا تعني بالضرورة وجود اتفاقيات دفاع مشترك أو علاقات دبلوماسية معلنة.

كما أن وجود إسرائيل والإمارات ضمن تجمع واحد لا يعني تلقائيًا أن جميع الأطراف المدرجة في الدائرة نفسها تتلقى دعمًا مباشرًا منهما أو تنسق معهما عسكريًا.

ومع ذلك، فإن أهمية التصنيف تكمن في إظهاره الطريقة التي تنظر بها إسرائيل إلى التوازنات الإقليمية، وإمكانية تقاطع مصالحها مع أطراف وقوى محلية في مناطق ذات أهمية استراتيجية.

ويعيد ذلك طرح تساؤلات حول مستقبل السودان، ومدى تحوله إلى ساحة تنافس غير مباشر بين القوى الإقليمية والدولية، خاصة في ظل استمرار الحرب وتعدد الأطراف المؤثرة في مساراتها.

مستقبل الحرب السودانية.. هل تتجه البلاد نحو مزيد من الانقسام؟

تزداد خطورة الاصطفافات الإقليمية في ظل استمرار الانقسام العسكري والجغرافي داخل السودان، وتراجع فرص الوصول إلى تسوية سياسية شاملة تنهي الحرب المستمرة منذ أبريل 2023.

وقد أدى استمرار المواجهات إلى اتساع نطاق السيطرة المتباينة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، مع استمرار المعارك في عدد من المناطق، خاصة في إقليمي كردفان ومناطق أخرى.

ويعني هذا الواقع أن السيطرة على الأراضي أصبحت عنصرًا أساسيًا في حسابات الأطراف المحلية والخارجية، بينما يمثل استمرار تدفق الأسلحة والإمدادات أحد العوامل التي قد تسهم في إطالة أمد الحرب وتعقيد جهود التسوية.

ولا تتوقف المخاطر عند حدود التوازن العسكري، بل تمتد إلى احتمالات ترسيخ سلطات متنافسة، وتراجع دور المؤسسات المركزية، وتحول المناطق الحدودية إلى ساحات مفتوحة للنفوذ والتدخلات الخارجية.

كما أن استمرار الانقسام يهدد وحدة الأراضي السودانية، ويزيد من تعقيدات الأوضاع الإنسانية والاقتصادية، بما قد ينعكس على استقرار الدول المجاورة وأمن المنطقة بأكملها.

خريطة التحالفات تكشف حسابات النفوذ في السودان

تكشف خريطة نتنياهو عن تصور إسرائيلي للتحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، في ظل تنافس متزايد بين القوى الإقليمية والدولية على النفوذ والمصالح الاستراتيجية.

ويظل أبرز ما أثارته الخريطة هو الفصل بين السودان باعتباره دولة، وقوات الدعم السريع باعتبارها قوة تسيطر على أجزاء من أراضيه، ووضع كل منهما ضمن دائرة إقليمية مختلفة.

ورغم أن هذا التصنيف لا يثبت وجود تحالف رسمي بين إسرائيل وقوات الدعم السريع، فإنه يسلط الضوء على مدى ارتباط الحرب السودانية بحسابات إقليمية تتجاوز حدود الصراع الداخلي.

وفي النهاية، يبقى مستقبل السودان مرهونًا بقدرة الأطراف السودانية على التوصل إلى تسوية تنهي الحرب وتحافظ على وحدة الدولة ومؤسساتها، بعيدًا عن صراعات النفوذ التي قد تحول البلاد إلى ساحة مفتوحة للتنافس الإقليمي والدولي.