دار الإفتاء تحسم حكم بيع البيانات الشخصية لمستخدمي الذكاء الاصطناعي دون إذنهم
أكدت دار الإفتاء المصرية حرمة بيع قواعد البيانات الشخصية والبيومترية للمستخدمين دون الحصول على إذن صريح منهم، مشددة على أن الموافقة المسبقة على سياسات الخصوصية لأغراض التطوير التقني لا تمنح المبرمج حق التصرف في هذه البيانات أو بيعها لتحقيق مكاسب مالية شخصية.
وأوضحت دار الإفتاء، في إجابتها عن سؤال ورد إليها بشأن حكم بيع مبرمج لأنظمة الذكاء الاصطناعي قاعدة بيانات تتضمن معلومات شخصية وبصمات للوجه والصوت، أن التعامل مع هذه البيانات يجب أن يلتزم بالغرض الذي وافق عليه أصحابها، وأن تجاوز حدود الإذن يُعد خيانة للأمانة واعتداءً على حقوق المستخدمين وخصوصيتهم.
دار الإفتاء: الموافقة على سياسة الخصوصية لا تعني ملكية البيانات
وأشارت الدار إلى أن موافقة المستخدمين على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام لا تعني انتقال ملكية بياناتهم إلى المبرمج، وإنما تمثل إذنًا مقيدًا بالغرض المحدد، وهو في الحالة المعروضة تطوير الأنظمة التقنية.
وأكدت أن بيع هذه المعلومات إلى شركة أجنبية أو غيرها، دون إذن أصحابها، يُعد تصرفًا غير مشروع، خاصة أن المبرمج اؤتمن على البيانات بغرض محدد، ولا يجوز له استغلالها لتحقيق منفعة شخصية خارج نطاق الموافقة الممنوحة له.
حماية البيانات الشخصية من مقاصد الشريعة الإسلامية
وأوضحت دار الإفتاء أن الشريعة الإسلامية جعلت حفظ النفس والعرض والمال وصيانة الأمن الفردي والمجتمعي من المقاصد الأساسية، مستندة إلى القاعدة الفقهية «لا ضرر ولا ضرار»، التي تؤكد ضرورة منع الأفعال التي تلحق الضرر بالآخرين أو تعرض حقوقهم للخطر.
وأضافت أن حماية الخصوصية لا تقتصر على منع الاعتداء المباشر، بل تشمل أيضًا منع التصرفات التي قد تؤدي إلى الإضرار بالأفراد مستقبلًا، ومن بينها تداول بياناتهم الحساسة دون موافقتهم أو استغلالها بطرق تتجاوز الغرض الذي جُمعت من أجله.
واستشهدت الدار بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، مؤكدة أن حفظ البيانات الشخصية والالتزام بشروط استخدامها يدخلان ضمن أداء الأمانة التي يجب على الإنسان صيانتها وعدم التفريط فيها.
الذكاء الاصطناعي يزيد أهمية حماية المعلومات الشخصية
وأشارت دار الإفتاء إلى أن التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي أتاح إمكانات واسعة لجمع البيانات الشخصية ومعالجتها وتحليلها، واستخلاص أنماط سلوكية ونفسية دقيقة عن الأفراد.
وأوضحت أن البيانات الشخصية تشمل المعلومات التي يمكن من خلالها تحديد هوية الشخص بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مثل الاسم والصوت والصورة والأرقام التعريفية، إلى جانب البيانات الحساسة التي تتعلق بالصحة أو القياسات الحيوية أو المعلومات المالية والمعتقدات الدينية والآراء السياسية.
وأكدت أن خطورة هذه المعلومات تنبع من إمكانية استخدامها للتأثير في قرارات الأفراد أو الإضرار بمصالحهم المادية والمعنوية، بما يجعل حمايتها ضرورة للحفاظ على كرامة الإنسان وخصوصيته وأمنه المالي والاجتماعي.
بيع البيانات دون إذن قد يعرض أصحابها للاحتيال والانتحال
وشددت الدار على أن التصرف غير المشروع في البيانات الشخصية والبيومترية قد يؤدي إلى مخاطر متعددة، من بينها انتحال الهوية وتزوير المعلومات والاستيلاء على أموال الآخرين أو حساباتهم، فضلًا عن استغلال حقوقهم التجارية دون مقابل.
وأضافت أن هذا التصرف لا يقتصر على تجاوز حدود الإذن الممنوح للمبرمج، بل قد يمتد إلى تعريض أصحاب البيانات لأضرار يصعب تداركها، نتيجة تداول معلوماتهم الحساسة أو استخدامها في أغراض لم يوافقوا عليها.
وأكدت أن استغلال بيانات الغير دون حق يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية التي تحرم الاعتداء على الأموال والحقوق، مستشهدة بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه».
القانون المصري يحظر تداول البيانات الشخصية دون موافقة
وفي السياق ذاته، أشارت دار الإفتاء إلى أن قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020 ينظم التعامل مع المعلومات الشخصية، وينص في مادته الثانية على عدم جواز جمع البيانات الشخصية أو معالجتها أو الإفصاح عنها أو إفشائها إلا بموافقة صريحة من الشخص المعني أو في الأحوال المصرح بها قانونًا.
كما استعرضت الدار أحكامًا من قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937 وتعديلاته، وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، المتعلقة بحماية الحياة الخاصة ومواجهة بعض صور الاعتداء على الخصوصية عبر الوسائل الإلكترونية.
وأوضحت أن المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات تتضمن عقوبات على أفعال، من بينها انتهاك حرمة الحياة الخاصة ونشر معلومات أو صور تنتهك خصوصية الأشخاص دون رضاهم، وفقًا لما ورد في النص القانوني.
دار الإفتاء: بيع البيانات دون إذن خيانة للأمانة الرقمية
واختتمت دار الإفتاء فتواها بالتأكيد على أنه لا يجوز للمبرمج بيع قاعدة البيانات الشخصية والبيومترية للمستخدمين دون إذن معتبر من أصحابها، وأن الموافقة على استخدام البيانات لأغراض التطوير التقني لا تبيح المتاجرة بها أو نقلها إلى جهات أخرى لتحقيق الربح.
وشددت على ضرورة التزام العاملين في مجال الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية بحدود الموافقة الممنوحة لهم، واحترام حقوق المستخدمين في الخصوصية وحماية معلوماتهم، بما يحقق الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا ويحافظ على الأمانة الرقمية.

