قبل قرار المركزي.. كيف تؤثر أسعار الفائدة على الذهب في مصر؟
كشف تحليل أجراه «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية» أن العلاقة بين أسعار الفائدة وسعر الذهب في مصر خلال السنوات الماضية لم تتبع القاعدة الشائعة التي تفترض انخفاض أسعار المعدن الأصفر تلقائيًا مع كل زيادة في أسعار العائد.
وأوضح التحليل أن السوق المصرية شهدت منذ عام 2022 فترات ارتفعت خلالها أسعار الفائدة والذهب معًا، بينما واصل سعر جرام الذهب تسجيل مستويات مرتفعة خلال 2025 رغم بدء دورة خفض أسعار الفائدة.
وتشير هذه التطورات إلى أن الفائدة تمثل أحد العوامل المؤثرة في قرارات المدخرين وتوقيت شراء الذهب، لكنها لا تحدد سعر الجرام بمفردها، إذ يتأثر كذلك بحركة الأوقية العالمية وسعر صرف الدولار مقابل الجنيه، إلى جانب ظروف العرض والطلب داخل السوق المحلية.
وتأتي هذه القراءة بالتزامن مع اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري، اليوم الخميس، لبحث أسعار الفائدة، وسط متابعة لتداعيات القرار المحتمل على سوق الذهب والمدخرات.
وبدأ عام 2022 وسعر عائد الإيداع لليلة واحدة عند 8.25%، بينما كان سعر جرام الذهب عيار 21 يدور حول 800 جنيه.
وخلال العام، رفع البنك المركزي أسعار الفائدة تدريجيًا حتى وصل عائد الإيداع إلى 16.25% بنهاية ديسمبر 2022، في الوقت الذي بلغ فيه سعر جرام الذهب نحو 1675 جنيهًا مع بداية 2023.
واستمرت دورة رفع الفائدة خلال العام التالي، حتى بلغ عائد الإيداع 19.25% في ديسمبر 2023، بينما سجل جرام الذهب نحو 3170 جنيهًا في مطلع 2024.
ويظهر ذلك تزامنًا بين صعود أسعار الفائدة والذهب، لكنه لا يمثل دليلًا كافيًا على وجود علاقة سببية مباشرة بين المتغيرين.
وأصبحت الصورة أكثر تعقيدًا خلال 2024، بعدما رفع البنك المركزي أسعار الفائدة بإجمالي 800 نقطة أساس خلال فبراير ومارس، بينها 600 نقطة أساس خلال الاجتماع الاستثنائي في 6 مارس، ليصل عائد الإيداع إلى 27.25%.
وفي الفترة نفسها، شهد سعر الصرف تغيرًا كبيرًا، ليتحرك الدولار من نحو 30.83 جنيهًا بنهاية يناير إلى نحو 47.79 جنيهًا بنهاية أبريل، وفق البيانات الواردة في التحليل.
وبالتالي، لا يمكن فصل أثر رفع الفائدة على الذهب عن التغيرات الكبيرة التي شهدها سعر صرف الجنيه خلال الفترة نفسها.
ويعتمد تسعير الذهب محليًا على عدة عناصر، في مقدمتها سعر الأوقية عالميًا بالدولار وسعر صرف الدولار مقابل الجنيه، إلى جانب مستويات العرض والطلب داخل السوق المصرية.
وعندما يتراجع الجنيه أمام الدولار، ترتفع تكلفة الذهب المقوم بالدولار داخل السوق المحلية، حتى إذا لم ترتفع الأوقية العالمية بالنسبة نفسها.
ولا تقتصر المفاضلة بين الذهب والادخار المصرفي على سعر الفائدة المعلن فقط، إذ تلعب معدلات التضخم دورًا مهمًا في تحديد العائد الحقيقي على المدخرات.
وسجل التضخم السنوي في الحضر نحو 37.4% خلال أغسطس 2023، وفق البيانات الواردة في التحليل، في فترة شهدت ضغوطًا سعرية مرتفعة رغم صعود أسعار الفائدة.
وأشار «مرصد الذهب» إلى أن مقارنة التضخم بعائد شهادة مصرفية تتطلب توحيد الفترة الزمنية محل القياس، حتى يمكن الوصول إلى تقدير أدق للعائد الحقيقي.
وشهد عام 2025 تراجع متوسط التضخم إلى 14.1% مقابل 28.3% في 2024، ما أدى إلى تحسن جاذبية بعض أدوات الادخار بالجنيه من حيث العائد الحقيقي.
ورغم ذلك، استمرت أسعار الذهب في الارتفاع، في ظل تأثير عوامل أخرى، أبرزها صعود الأوقية عالميًا وسعر صرف الجنيه.
وبحسب التحليل، ارتفع متوسط سعر الذهب عالميًا بالدولار بنسبة 44% بين عامي 2024 و2025، وهو ما ساهم في تفسير جانب من صعود الأسعار محليًا.
وقال الدكتور وليد فاروق، مدير «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية»، إن قرار الفائدة يمكن أن يؤثر في توقيت شراء الذهب وحجم الأموال المتجهة إليه.
وأوضح أن ارتفاع العائد البنكي قد يدفع بعض المشترين الجدد إلى تأجيل قرار الشراء أو الاتجاه إلى شهادات الادخار، لكنه لا يعني بالضرورة انخفاض سعر الجرام إذا تحرك الدولار أو الأوقية العالمية بصورة أقوى.
وأضاف أن قراءة بيانات المبيعات تتطلب التمييز بين قيمة الذهب المشتراة والكميات الفعلية التي يتم شراؤها.
وبحسب بيانات مجلس الذهب العالمي، بلغ طلب المصريين على السبائك والعملات الذهبية نحو 23.6 طن خلال 2025، مقابل 24 طنًا في 2024.
وأشار التحليل إلى أن التراجع المحدود في الكميات لا يكفي وحده للقول إن ارتفاع الفائدة أدى إلى خروج المشترين من سوق الذهب، خاصة أن ارتفاع سعر الجرام يعني أن المبلغ نفسه أصبح يشتري وزنًا أقل.
وكان البنك المركزي المصري قد أبقى في اجتماعه الأخير على عائدي الإيداع والإقراض لليلة واحدة عند 19% و20% على الترتيب.
ومع صدور قرار الفائدة المرتقب، يبرز مساران رئيسيان لمتابعة تأثيره على سوق الذهب، الأول يتعلق بعوائد الشهادات والودائع وتأثيرها على قرارات المدخرين، والثاني يرتبط بحركة الدولار والأوقية العالمية وانعكاسهما على سعر الذهب محليًا.
ويخلص التحليل إلى أن الفائدة تنافس الذهب على مدخرات الأفراد، لكنها لا تسعر الجرام بصورة منفردة، إذ يتحدد السعر المحلي من خلال تفاعل عدة عوامل تشمل التضخم وسعر الصرف وحركة الأوقية العالمية والعرض والطلب.

