بعد هجمات الرياض.. لماذا يرفض ترامب ضرب الحوثيين مباشرة؟
دخل التصعيد العسكري بين السعودية وجماعة الحوثي في اليمن مرحلة جديدة خلال سبتمبر 2026، مع اتساع نطاق الهجمات لتشمل العاصمة الرياض ومناطق أخرى بالمملكة، في وقت يثير فيه الموقف الأمريكي تساؤلات بشأن حدود دعم واشنطن للرياض، وإمكانية انتقالها من المساندة الاستخباراتية إلى المشاركة المباشرة في العمليات العسكرية ضد الحوثيين.
تصعيد عسكري بين السعودية والحوثيين
شهدت المواجهة بين السعودية وجماعة الحوثي خلال الأيام الأخيرة تصعيدًا ملحوظًا، مع إعلان الجماعة تنفيذ هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة على أهداف داخل المملكة، ورد التحالف الذي تقوده الرياض بعمليات عسكرية داخل اليمن.
وفي 19 سبتمبر، أعلن التحالف اعتراض صاروخ باليستي قال إن الحوثيين أطلقوه باتجاه العاصمة الرياض، بينما أعلنت الجماعة مسؤوليتها عن هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة استهدفت ما وصفته بـ«مواقع حساسة» في العاصمة. كما شوهدت سحب كثيفة من الدخان قرب مطار الملك خالد الدولي، من دون إعلان سعودي فوري يحدد سببها في الساعات الأولى للحادث.
وأعلن التحالف أيضًا إحباط محاولات استهداف مناطق أخرى، بينها الطائف وبيشة وفرسان وينبع، فيما قالت جماعة الحوثي إنها استهدفت منشآت عسكرية واقتصادية سعودية.
ماذا حدث قرب مكة المكرمة؟
وازداد القلق الإقليمي بعدما اتهمت السعودية الحوثيين بمحاولة استهداف مكة المكرمة بطائرة مسيرة، وقالت إن الطائرة جرى اعتراضها قبل وصولها إلى هدفها.
لكن جماعة الحوثي نفت الرواية السعودية، وقالت إن عملياتها استهدفت منشآت عسكرية ونفطية بعيدًا عن الأماكن المقدسة. وبالتالي تبقى مسألة استهداف مكة محل روايتين متعارضتين، وليست واقعة متفقًا عليها بين الطرفين.
وكانت السلطات السعودية قد أصدرت في 15 سبتمبر تحذيرات أمنية شملت مكة وجدة ومناطق أخرى، في أوسع نطاق للتحذيرات منذ بدء موجة التصعيد الحالية.
هل تتدخل الولايات المتحدة ضد الحوثيين؟
ومع اتساع نطاق المواجهات، برزت تساؤلات حول إمكانية تدخل الولايات المتحدة بصورة مباشرة إلى جانب السعودية وشن ضربات ضد مواقع الحوثيين داخل اليمن.
لكن الموقف الأمريكي المعلن حتى الآن يتجه إلى تجنب المشاركة المباشرة في الهجمات.
وأفادت شبكة «CNN» بأن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان تحدث مرتين مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، طالبًا تنفيذ ضربات أمريكية ضد الحوثيين، إلا أن ترامب رفض الدخول في تلك العمليات.
وتشير التقارير الأمريكية إلى أن إدارة ترامب لا ترغب في فتح جبهة عسكرية هجومية إضافية ضد الحوثيين، بالتزامن مع انخراط واشنطن في المواجهة مع إيران وما يرتبط بها من توترات حول مضيق هرمز وأمن الملاحة والطاقة.
دعم استخباراتي أمريكي للسعودية
ولا يعني رفض واشنطن تنفيذ ضربات مباشرة توقف الدعم الأمريكي للرياض.
فوفقًا لـ«CNN»، كثفت الولايات المتحدة خلال الفترة الأخيرة دعمها الاستخباراتي واللوجستي للسعودية، بما يشمل المعلومات المرتبطة بتحديد الأهداف، لكنها وضعت قيودًا على طبيعة المشاركة الأمريكية.
ولا تشارك القوات الأمريكية، وفق التقارير، بصورة مباشرة في الضربات، كما لا تقدم خدمات تزويد الطائرات السعودية بالوقود أو دعمًا عملياتيًا مباشرًا للهجمات.
وبذلك تركز واشنطن في المرحلة الحالية على تقديم المعلومات والمساندة الدفاعية والاستخباراتية، من دون الانتقال إلى تنفيذ عمليات هجومية أمريكية ضد الحوثيين.
هدنة واشنطن والحوثيين تدخل الحسابات
ويأتي الموقف الأمريكي أيضًا في ظل التفاهم الذي توسطت فيه سلطنة عمان بين الولايات المتحدة والحوثيين في مايو 2025.
ونص الاتفاق حينها على توقف الطرفين عن استهداف بعضهما، بما في ذلك عدم مهاجمة الحوثيين السفن الأمريكية في البحر الأحمر وباب المندب مقابل وقف الولايات المتحدة ضرباتها على الجماعة.
ولا يعني الاتفاق منع واشنطن من دعم شركائها إقليميًا، لكنه يمثل أحد عناصر الخلفية السياسية والعسكرية التي تحيط بحسابات الإدارة الأمريكية تجاه فتح حملة عسكرية جديدة مباشرة ضد الحوثيين.
الحوثيون يلوحون بإغلاق المطارات
وفي أحدث التصريحات الصادرة من صنعاء، قال محمد مفتاح، القائم بأعمال رئيس الحكومة التابعة للحوثيين، إن الجماعة سترد على أي هجوم جديد على اليمن، متحدثًا عن تطبيق ما وصفه بمبدأ «التصعيد بالتصعيد».
كما لوح بإمكانية استهداف أو تعطيل المطارات في إطار الرد على ما تعتبره الجماعة حصارًا مفروضًا عليها.
وتزيد هذه التصريحات المخاوف بشأن توسع دائرة الاستهداف لتشمل منشآت مدنية وحيوية، في وقت حذرت فيه الولايات المتحدة مواطنيها من مخاطر الصواريخ والطائرات المسيرة والاضطرابات المرتبطة بالصراع داخل السعودية.
المواجهة تدخل مرحلة أكثر خطورة
وبات التصعيد الحالي يتجاوز الحدود التقليدية للمواجهة داخل اليمن، مع انتقال الصواريخ والطائرات المسيرة إلى مدن ومنشآت سعودية بعيدة عن الحدود الجنوبية.
وفي المقابل، تواصل القوات التي تقودها السعودية عملياتها ضد مواقع الحوثيين داخل اليمن، وسط مخاوف من اتساع المواجهة وتأثيرها على الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، إضافة إلى أسواق الطاقة العالمية.
ويبقى الموقف الأمريكي في الوقت الراهن قائمًا على دعم السعودية استخباراتيًا ودفاعيًا، مع استبعاد المشاركة المباشرة في ضربات هجومية ضد الحوثيين، وفق ما نقلته مصادر أمريكية، ما لم تشهد المعادلة العسكرية أو التهديدات للمصالح الأمريكية تغيرًا جديدًا.

.gif)