×

بلا لحوم على مائدة قادة بريكس.. قائمة مودي تفتح جدلًا سياسيًا في الهند

الثلاثاء 15 سبتمبر 2026 02:03 مـ 2 ربيع آخر 1448 هـ
نريندرا مودي يفرض قائمة نباتية صارمة على قادة العالم
نريندرا مودي يفرض قائمة نباتية صارمة على قادة العالم

أثارت قائمة الطعام المقدمة لقادة العالم المشاركين في قمة «بريكس» التي استضافتها العاصمة الهندية نيودلهي يومي 11 و12 سبتمبر، جدلًا واسعًا داخل الهند، بعدما خلت المائدة الرسمية من اللحوم وقدمت أكثر من 10 أطباق نباتية.

ورغم أن الهند تشتهر بانتشار النظام النباتي لدى قطاعات واسعة من السكان، فإن تناول اللحوم ليس محظورًا بشكل عام في البلاد، كما تختلف العادات الغذائية والقوانين المتعلقة باللحوم من ولاية إلى أخرى، بينما تتركز القيود الأشد على لحوم الأبقار في عدد من الولايات.

وأعادت القائمة النباتية بالكامل النقاش حول ما إذا كانت الحكومة الهندية تستخدم الفعاليات الدولية للترويج لنمط غذائي بعينه باعتباره جزءًا من الهوية الثقافية للهند، أم أنها كانت تسعى إلى تقديم صورة خاصة عن المطبخ الهندي أمام الوفود الدولية.

قادة بريكس أمام قائمة نباتية بالكامل

تضمنت مأدبة العشاء الرسمية التي أقيمت في نيودلهي لقادة «بريكس» مجموعة واسعة من الأطباق النباتية، في حضور عدد من قادة الدول، بينهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جين بينج والرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان، وفق ما ورد في التقارير المتداولة حول القمة.

وأثار غياب اللحوم عن القائمة انتقادات من جانب معارضين للحكومة الهندية، الذين رأوا أن تقديم المطبخ الهندي من خلال قائمة نباتية فقط لا يعكس التنوع الكبير في العادات الغذائية داخل البلاد.

ونقل عن راهول غاندي، زعيم حزب المؤتمر الهندي، قوله عبر منصة «إكس» إن نسبة كبيرة من الهنود لا يتبعون النظام النباتي، معتبرًا أن المطبخ الهندي غير النباتي يمثل جانبًا مهمًا من ثقافة البلاد.

كما انتقد واريس باثان، عضو حزب المؤتمر، حصر تمثيل المطبخ الهندي في قائمة نباتية، مؤكدًا أن أطباق اللحوم، مثل الضأن والدجاج والأسماك، تمثل جزءًا من التنوع الغذائي الهندي.

اختلاف العادات الغذائية بين الولايات الهندية

لا يمكن التعامل مع الهند باعتبارها دولة ذات نمط غذائي واحد، إذ تختلف العادات الغذائية بصورة كبيرة بين الولايات والمناطق والطبقات الاجتماعية والجماعات الدينية.

وفي بعض مناطق جنوب وشرق الهند، مثل كيرالا وتاميل نادو والبنغال الغربية، تشكل الأسماك والدواجن واللحوم جزءًا أساسيًا من النظام الغذائي اليومي لقطاعات واسعة من السكان، بينما تنتشر النباتية بصورة أكبر في مناطق أخرى.

وترتبط النباتية كذلك بعوامل دينية واجتماعية وثقافية، في حين أن تناول اللحوم لا يزال شائعًا بين قطاعات كبيرة من المجتمع الهندي، مع اختلاف القوانين المحلية المتعلقة بأنواع اللحوم وطرق بيعها من ولاية إلى أخرى.

وتفرض عدة ولايات هندية قيودًا صارمة على ذبح الأبقار وبيع لحومها، في ظل المكانة الدينية التي تحظى بها الأبقار لدى قطاعات كبيرة من الهندوس، بينما تختلف القواعد المتعلقة بلحوم الجاموس والأغنام والماعز والدواجن والأسماك.

هل كانت القائمة قرارًا سياسيًا؟

يرى منتقدو حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي أن اختيار قائمة نباتية بالكامل في فعالية دولية كبرى لم يكن مجرد قرار متعلق بالمطبخ، وإنما يحمل أبعادًا ثقافية وسياسية، خاصة مع اهتمام الحكومة بتقديم المطبخ النباتي الهندي باعتباره أحد عناصر الهوية الوطنية.

وتشير التقارير إلى أن الحكومة الهندية اعتمدت في عدد من الفعاليات الدولية الكبرى على قوائم تركز بصورة واضحة على المنتجات النباتية والحبوب المحلية، في إطار ما يمكن وصفه بالدبلوماسية الغذائية والثقافية.

وفي هذا السياق، لم تكن قمة «بريكس» الحالة الأولى التي تحظى فيها القائمة النباتية باهتمام واسع، إذ سبق للهند تقديم مأدبات نباتية في مناسبات دولية أخرى، من بينها قمة مجموعة العشرين التي استضافتها نيودلهي عام 2023.

قمة العشرين أعادت الجدل حول الطعام النباتي

خلال قمة مجموعة العشرين في نيودلهي عام 2023، ركزت المأدبة الرسمية على المكونات النباتية والحبوب المحلية، وعلى رأسها الدخن، إلى جانب عدد من الأطباق والحلويات الهندية التقليدية.

وأثارت تلك المأدبة اهتمامًا إعلاميًا واسعًا، وسط تقارير عن تفضيلات غذائية مختلفة لبعض الوفود الأجنبية، إلا أن الجدل حول تفاصيل ما تناوله القادة أو طلبوه لاحقًا تباين بين التقارير ولم يكن موحدًا.

كما ارتبطت الزيارات الرسمية السابقة إلى الهند بمناقشات حول طبيعة الطعام الذي يقدم للضيوف الأجانب، خاصة في ظل اختلاف العادات الغذائية بين الوفود الدولية والمجتمع الهندي.

تغير البروتوكول الغذائي في المناسبات الدولية

تشير التقارير إلى أن المآدب الرسمية التي استضافتها الهند في فترات سابقة كانت تميل إلى تقديم خيارات غذائية أكثر تنوعًا للوفود الأجنبية، مع تجنب تقديم لحوم الأبقار احترامًا للتقاليد الدينية السائدة.

ففي قمة «بريكس» التي استضافتها نيودلهي عام 2012 خلال حكومة مانموهان سينج، تضمنت المأدبة الرسمية أطباقًا من الدجاج والضأن والأسماك إلى جانب الخيارات النباتية، وفق ما أوردته تقارير عن القمة.

كما شهدت قمة الهند وأفريقيا عام 2015 تقديم تشكيلة واسعة من الأطباق التي تضمنت لحوم الماعز والدجاج إلى جانب الأطعمة النباتية، في محاولة لمراعاة التنوع الكبير في العادات الغذائية للوفود المشاركة.

وتختلف هذه السياسة عن القوائم النباتية بالكامل التي أصبحت أكثر حضورًا في بعض الفعاليات الدولية خلال السنوات الأخيرة، وهو ما دفع المعارضة الهندية إلى انتقاد ما وصفته بمحاولة تقديم صورة واحدة للمطبخ الهندي أمام العالم.

الهند بين التنوع الغذائي والدبلوماسية الثقافية

وتكشف أزمة قائمة طعام قمة «بريكس» عن جانب أوسع من العلاقة بين الطعام والسياسة في الهند، حيث يمثل المطبخ جزءًا أساسيًا من الهوية الثقافية للبلاد، لكنه في الوقت نفسه يعكس تنوعًا كبيرًا في الأديان والمناطق والعادات الاجتماعية.

وبينما ترى الحكومة الهندية في الأطعمة النباتية والحبوب المحلية وسيلة لاستعراض جانب من التراث الغذائي والثقافي للبلاد، يرى منتقدوها أن تقديم قائمة نباتية بالكامل لا يعكس واقع مجتمع يتبع أنماطًا غذائية متعددة.

وبذلك تحولت مأدبة عشاء قادة «بريكس» من مجرد مناسبة غذائية إلى موضوع للنقاش السياسي والثقافي في الهند، خاصة مع استمرار الجدل حول حدود استخدام الطعام باعتباره أداة للدبلوماسية الثقافية وتمثيل الهوية الوطنية.