×

سويسرا تحظر الذهب السوداني اعتبارًا من اليوم.. خطوة جديدة لتجفيف منابع تمويل الحرب

الخميس 10 سبتمبر 2026 02:34 مـ 27 ربيع أول 1448 هـ
ذهب السودان
ذهب السودان

أقرت سويسرا حظرًا على شراء الذهب القادم من السودان واستيراده ونقله عبر أراضيها، إلى جانب منع تقديم الخدمات والمساعدات المالية المرتبطة بتجارته، في خطوة تستهدف أحد الموارد التي تعتبرها السلطات السويسرية مصدرًا مهمًا لتمويل الحرب الدائرة في السودان.

وأعلن المجلس الاتحادي السويسري أن الإجراءات الجديدة تدخل حيز التنفيذ اعتبارًا من اليوم الخميس 10 سبتمبر 2026، وتشمل كذلك حظر بيع وتوريد بعض المواد المستخدمة في تعدين الذهب واستخراجه إلى السودان.

ويأتي القرار في ظل استمرار الأزمة الإنسانية في السودان، ومع تصاعد الاهتمام الدولي بمسارات تجارة الذهب وعلاقتها بتمويل أطراف النزاع.

ماذا يشمل الحظر السويسري؟

يشمل القرار السويسري شراء الذهب السوداني واستيراده ومروره عبر الأراضي السويسرية، كما يحظر تقديم الخدمات أو توفير التمويل المرتبط بهذا الذهب.

ولا يقتصر القرار على المعدن النفيس، إذ يحظر أيضًا بيع وتوريد بعض المواد الكيميائية المستخدمة في تعدين الذهب واستخراجه إلى السودان، بما يوسع نطاق العقوبات ليشمل جانبًا من سلسلة إنتاج المعدن.

وتُدرج هذه الإجراءات ضمن المرسوم السويسري الخاص بالتدابير ضد السودان، الذي تستخدمه سويسرا منذ عام 2005 لتنفيذ العقوبات المتعلقة بالسودان، فيما بدأت منذ عام 2023 في إدراج تدابير إضافية أقرها الاتحاد الأوروبي ضمن الإطار نفسه.

ويتضمن المرسوم أيضًا حظرًا على المعدات العسكرية وعقوبات مالية وقيودًا على السفر تستهدف حاليًا 36 شخصًا وكيانًا وشركة.

سويسرا تنضم إلى العقوبات الأوروبية

جاء القرار السويسري بعد خطوة مماثلة من الاتحاد الأوروبي في 13 يوليو 2026، عندما فرض قيودًا على تجارة الذهب السوداني بهدف الحد من مصادر تمويل الحرب.

وشملت الإجراءات الأوروبية حظر شراء واستيراد ونقل الذهب القادم من السودان، إلى جانب حظر بيع أو توريد مواد مثل الزئبق والسيانيد المستخدمة على نطاق واسع في عمليات تعدين واستخلاص الذهب، مع بعض الاستثناءات المرتبطة بالأغراض الإنسانية والطوارئ.

وبذلك تتحرك سويسرا في الاتجاه نفسه الذي تبناه الاتحاد الأوروبي، في محاولة لتضييق الخناق على الموارد التي يمكن أن تتحول إلى سيولة تستخدم في تمويل العمليات العسكرية.

لماذا يمثل الذهب أهمية كبيرة في اقتصاد الحرب؟

منذ اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، أصبح الذهب أحد أهم الموارد الاقتصادية في البلاد، في ظل تراجع قطاعات أخرى وتضرر الاقتصاد الرسمي.

وتشير تقارير دولية إلى أن جزءًا كبيرًا من إنتاج الذهب السوداني لا يمر عبر القنوات الرسمية، الأمر الذي يصعب معه تتبع العائدات وتحديد الجهات المستفيدة منها.

وأفادت لجنة تابعة للأمم المتحدة في تقرير سابق بأن أكثر من نصف الذهب المنتج في السودان لم يكن يمر عبر القنوات الرسمية، بل كان يُهرب إلى الخارج، في ظل ضعف الرقابة على قطاع التعدين وشبكات التجارة المرتبطة به.

كما تشير تقديرات وتحليلات حديثة إلى أن التعدين الأهلي يمثل النسبة الأكبر من الإنتاج، بينما أصبحت شبكات التهريب أكثر اتساعًا خلال سنوات الحرب.

أرقام إنتاج الذهب السوداني

وأعلنت الشركة السودانية للموارد المعدنية أن إنتاج البلاد من الذهب بلغ نحو 64 طنًا خلال عام 2024، مع تحقيق إيرادات تصدير رسمية بنحو 1.57 مليار دولار، بينما أشارت تقديرات دولية إلى أن الإنتاج الفعلي قد يكون أعلى من الأرقام الرسمية.

وفي عام 2025، أعلنت الشركة إنتاج نحو 70 طنًا من الذهب، وهو مستوى تجاوز المستهدف الرسمي، بينما بلغت الإيرادات العامة لقطاع التعدين نحو 1.087 تريليون جنيه سوداني، بما يعادل نحو 1.8 مليار دولار وفق سعر الصرف المستخدم في البيانات المنشورة.

وتكشف الفجوة بين الإنتاج المسجل والصادرات الرسمية عن حجم التحدي الذي تواجهه السلطات السودانية في السيطرة على القطاع، خاصة مع انتشار التعدين الأهلي وعمليات التهريب عبر الحدود.

التهريب يضعف قدرة الدولة على تتبع عائدات الذهب

يمثل تهريب الذهب أحد أبرز التحديات أمام محاولات ضبط القطاع، إذ يسمح خروج المعدن عبر قنوات غير رسمية بإخفاء وجهته النهائية والجهات المستفيدة من عائداته.

وتشير تقارير إلى أن الذهب السوداني يصل إلى أسواق خارجية عبر دول وسيطة، وهو ما يزيد صعوبة تتبع منشأه وتحديد ما إذا كان قد دخل الأسواق العالمية بصورة قانونية أم عبر شبكات تهريب.

وفي هذا السياق، لا تستهدف العقوبات الجديدة الذهب باعتباره سلعة تجارية فقط، وإنما تحاول الحد من قدرة الأطراف المتورطة في النزاع على تحويله إلى مصدر للتمويل.

سويسرا تشدد الرقابة على مصدر الذهب

وتكتسب الخطوة السويسرية أهمية إضافية بسبب مكانة البلاد في تجارة وتكرير المعادن النفيسة، حيث تطبق سويسرا بالفعل متطلبات صارمة للعناية الواجبة عند استيراد الذهب والمعادن النفيسة من مناطق النزاع والمناطق عالية المخاطر.

وبحسب السلطات السويسرية، تهدف هذه القواعد إلى منع التجارة في الموارد التي يمكن أن تسهم في تمويل النزاعات، بينما يرفع الحظر الجديد مستوى القيود بالنسبة إلى الذهب ذي المنشأ السوداني بشكل مباشر.

ويعني ذلك أن المصارف والتجار وشركات النقل والجهات العاملة في تجارة المعادن النفيسة ستواجه قيودًا إضافية عند التعامل مع الذهب القادم من السودان.

هل ينجح الحظر في وقف تمويل الحرب؟

تبقى فعالية القرار السويسري والأوروبي مرتبطة بمدى القدرة على مواجهة شبكات التهريب وإعادة تصدير الذهب عبر دول وسيطة.

فحظر الذهب السوداني بصورة مباشرة قد يحد من وصول الشحنات التي تحمل منشأً سودانيًا معلنًا إلى الأسواق المستهدفة، لكنه لا ينهي وحده عمليات تهريب المعدن أو تغيير مستندات المنشأ وإعادة إدخاله إلى الأسواق العالمية عبر مسارات أخرى.

ولهذا، فإن الحد من تمويل اقتصاد الحرب يتطلب تعاونًا دوليًا أوسع لتتبع سلسلة التوريد، وتعزيز الرقابة على الوسطاء والشركات والمصافي، وملاحقة التدفقات المالية الناتجة عن تجارة الذهب غير المشروعة.

ويعكس القرار السويسري، إلى جانب العقوبات الأوروبية، اتجاهًا متزايدًا نحو استهداف الموارد الاقتصادية وسلاسل الإمداد التي يمكن أن توفر التمويل للأطراف المتحاربة، وليس الاكتفاء بالعقوبات المباشرة على الأشخاص والكيانات.