×

عاجل.. من «استسلام إيران» إلى التفاوض على هرمز.. كيف تغيرت أهداف ترامب؟

السبت 8 أغسطس 2026 05:11 مـ 23 صفر 1448 هـ
ترامب
ترامب

بعد أكثر من خمسة أشهر على اندلاع الحرب مع إيران، يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اختبارًا سياسيًا وعسكريًا متزايد التعقيد، في ظل تعثر الوصول إلى تسوية نهائية، واستمرار الخلاف بشأن مستقبل مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة والتجارة العالمية.

وبينما كرر ترامب وعدد من كبار مسؤولي إدارته خلال الأشهر الماضية أن الاتفاق مع طهران بات قريبًا، فإن شروط أي تسوية محتملة تبدو مختلفة بصورة ملحوظة عن الأهداف الواسعة التي طرحتها واشنطن في بداية المواجهة، عندما تصدرت ملفات البرنامج النووي الإيراني والصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي أجندة الإدارة الأمريكية.

وبات الملف الأكثر إلحاحًا في المرحلة الحالية هو إعادة حركة الملاحة الطبيعية عبر مضيق هرمز، لكن الخلاف لم يعد يقتصر على مجرد فتح الممر، بل امتد إلى سؤال أكثر تعقيدًا: من يملك حق تنظيم حركة السفن، وتحت أي شروط، وهل يمكن فرض رسوم على المرور؟

من الملف النووي إلى مضيق هرمز

قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، خلال حديثه عن مسار المفاوضات، إن واشنطن تفرق بين اتفاق طويل الأمد يستهدف معالجة الملف النووي الإيراني، وبين ترتيب عاجل يتعلق بإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة.

ويعكس هذا الفصل تغيرًا في الأولويات الأمريكية مقارنة ببداية الحرب، إذ أصبحت استعادة حركة التجارة والطاقة عبر المضيق ملفًا عاجلًا بفعل التداعيات الاقتصادية التي خلّفها تعطيل الملاحة.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن واشنطن وطهران لا تزالان متباعدتين بشأن طبيعة أي اتفاق نهائي، حتى مع وجود مؤشرات على تقدم في المحادثات غير المباشرة.

إيران وعُمان ومقترح جديد لتنظيم الملاحة

وتدور مباحثات بين إيران وسلطنة عُمان حول صيغة جديدة لتنظيم حركة السفن عبر المضيق.

وبحسب تقارير دولية، فإن المقترح المطروح يمنح طهران دورًا مباشرًا في تنظيم حركة السفن التي تدخل الخليج، وهو ما يمثل تحولًا مهمًا مقارنة بالوضع السابق للحرب، حين كانت الملاحة تتم دون مثل هذه القيود والرسوم.

كما تتعلق إحدى أبرز نقاط الخلاف بإمكانية فرض مقابل مالي على السفن العابرة، إذ تسعى إيران، وفق التقارير، إلى فرض رسوم تتراوح بين 5% و7% من قيمة الشحنات، بينما تناقش سلطنة عُمان نسبة تقارب 3%.

في المقابل، تتمسك الولايات المتحدة بموقف يدعو إلى عدم فرض رسوم على حركة المرور في المضيق.

لماذا تمثل الرسوم أزمة لواشنطن؟

لا يتعلق الخلاف حول الرسوم بالجانب المالي فقط، بل يحمل أبعادًا سياسية وقانونية واستراتيجية.

فالموافقة على حصول إيران على مقابل مالي نظير مرور السفن قد تُفسر باعتبارها اعترافًا عمليًا بدور طهران في إدارة واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.

كما يثير المقترح مشكلات أمام شركات الشحن العالمية، بسبب العقوبات الأمريكية القائمة والمخاوف المتعلقة بالتأمين البحري وقواعد حرية الملاحة الدولية.

وحذرت جهات في قطاع الشحن من أن أي نظام لفرض رسوم قد يكون معقدًا من الناحية القانونية والتشغيلية، خاصة إذا تعارض دفعها مع العقوبات الأمريكية المفروضة على جهات إيرانية.

الحرس الثوري يضع شروطًا إضافية

وزادت تصريحات الحرس الثوري الإيراني، السبت 8 أغسطس، من تعقيد المشهد، بعدما أكد أن التوصل إلى اتفاق بين إيران وسلطنة عُمان لا يعني تلقائيًا إعادة فتح مضيق هرمز.

وقال الحرس الثوري إن إعادة فتح الممر تعتمد على قبول الولايات المتحدة للشروط الإيرانية، وهو ما يشير إلى أن طهران تفصل بين اتفاقها بشأن تنظيم الملاحة مع مسقط وبين التسوية السياسية والعسكرية الأوسع مع واشنطن.

ويعني ذلك أن أي اتفاق إيراني-عُماني قد يشكل جزءًا فقط من الحل، دون أن ينهي أزمة المضيق بصورة نهائية.

خيارات عسكرية أكثر تكلفة

وفي الوقت نفسه، تواجه الولايات المتحدة حسابات معقدة بشأن إمكانية العودة إلى التصعيد العسكري الواسع.

فاستمرار الحرب لخمسة أشهر أدى إلى ضغوط متزايدة على القدرات العسكرية الأمريكية، مع تقارير تشير إلى استهلاك كميات كبيرة من بعض الذخائر والأسلحة بعيدة المدى خلال العمليات.

وتزامنت هذه الضغوط مع ارتفاع أسعار الطاقة والتداعيات الاقتصادية للحرب، ما يجعل استمرار المواجهة لفترة طويلة خيارًا ذا تكلفة سياسية واقتصادية متزايدة بالنسبة إلى إدارة ترامب.

وكان الرئيس الأمريكي قد نفى وجود أزمة حادة في مخزونات الأسلحة، مؤكدًا قدرة الولايات المتحدة على مواصلة الإنتاج والحفاظ على جاهزيتها العسكرية.

ورقة هرمز في يد إيران

ويمنح استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز إيران ورقة تفاوضية بالغة الأهمية، بسبب الدور المحوري للممر في صادرات النفط والغاز العالمية.

وكلما طال تعطيل حركة السفن أو تقلصت مستويات العبور، ازدادت الضغوط على أسواق الطاقة وشركات الشحن والتأمين، ما يرفع بدوره تكلفة استمرار الأزمة على الولايات المتحدة وحلفائها.

ومن هذا المنظور، لا تحتاج طهران إلى تحقيق انتصار عسكري تقليدي بقدر حاجتها إلى الاحتفاظ بورقة ضغط تمنع واشنطن من فرض شروطها السياسية كاملة.

تناقض بين التصعيد والتفاوض

وتكشف تصريحات الإدارة الأمريكية خلال الأسابيع الأخيرة عن استمرار الجمع بين التهديد العسكري والحديث عن قرب التوصل إلى اتفاق.

فترامب يؤكد من ناحية أن واشنطن يمكنها العودة إلى توجيه ضربات عسكرية إذا تعثرت المحادثات، بينما يشدد مسؤولو إدارته من ناحية أخرى على وجود تقدم دبلوماسي وإمكانية إنهاء المواجهة.

لكن المعضلة تكمن في أن قبول اتفاق محدود حول هرمز قد لا يحقق الأهداف الأوسع التي أعلنتها واشنطن بشأن النووي الإيراني وبرنامج الصواريخ والنفوذ الإقليمي لطهران.

دول الخليج تراقب نتيجة المفاوضات

ولا تتوقف تداعيات أي اتفاق محتمل على الولايات المتحدة وإيران فقط، إذ تراقب دول الخليج نتائج المفاوضات باهتمام بالغ.

فالأشهر الماضية شهدت هجمات على سفن ومنشآت ومناطق داخل عدد من الدول الخليجية، ما يجعل قضايا الأمن الإقليمي والصواريخ والطائرات المسيّرة جزءًا أساسيًا من حساباتها.

وبالتالي، فإن إعادة فتح مضيق هرمز وحدها قد لا تكون كافية لإعادة الاستقرار الكامل إلى المنطقة، ما لم يصاحبها ترتيب أمني أوسع يمنع تجدد الهجمات.

من يضمن تنفيذ أي اتفاق؟

وتبرز قضية أخرى تتعلق بضمانات تنفيذ أي تسوية يتم التوصل إليها.

ففي حال استئناف حركة الملاحة ثم وقوع خلاف جديد بين واشنطن وطهران، يمكن أن تعود القيود على المضيق من جديد، بما يعيد الولايات المتحدة إلى المعضلة ذاتها بين التصعيد العسكري والقبول بتنازلات إضافية.

ولهذا تركز الأطراف المعنية على ضرورة التوصل إلى صيغة قابلة للتحقق والتنفيذ، وليس مجرد إعلان سياسي عن إعادة فتح الممر.

مضيق هرمز يتحول إلى اختبار لنتيجة الحرب

وتحول مضيق هرمز تدريجيًا من إحدى ساحات المواجهة في الحرب إلى معيار رئيسي للحكم على نتيجتها السياسية.

فإذا تمكنت إيران من الاحتفاظ بدور مباشر في إدارة حركة المرور أو فرض رسوم على السفن، فإنها ستكون قد حولت موقعها الجغرافي إلى مكسب سياسي واقتصادي طويل الأجل.

أما إذا تمكنت الولايات المتحدة من إعادة الملاحة إلى وضعها السابق، دون رسوم أو سيطرة إيرانية خاصة، فستعتبر واشنطن ذلك استعادة لأحد أهدافها الأساسية.

وحتى الآن، لا يبدو أن أيًا من الطرفين قادر على فرض جميع شروطه.

إيران من جانبها لا ترغب في استمرار حرب مفتوحة إلى أجل غير محدد، بينما تواجه واشنطن تكلفة متزايدة لأي تصعيد جديد.

وهكذا أصبحت مفاوضات هرمز تتجاوز مسألة عبور السفن، لتتحول إلى معركة سياسية حول ميزان القوة الذي ستتركه الحرب خلفها.

وبالنسبة إلى ترامب، فإن التحدي يتمثل في الوصول إلى اتفاق يمكن تقديمه داخليًا باعتباره نجاحًا أمريكيًا، دون قبول شروط تمنح طهران نفوذًا دائمًا على المضيق، وفي الوقت نفسه تجنب العودة إلى حرب أكثر تكلفة ولا تبدو نهايتها مضمونة.