×

بعد 4 سنوات من القطيعة.. زيارة سانشيز للجزائر تفتح صفحة جديدة في العلاقات

الثلاثاء 21 يوليو 2026 08:12 صـ 5 صفر 1448 هـ
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

​​​​​​شكلت الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى الجزائر محطة مهمة في مسار العلاقات الثنائية بين البلدين، بعد فترة طويلة من التوتر السياسي والدبلوماسي التي شهدت فتورًا غير مسبوق بين مدريد والجزائر، على خلفية الخلافات المرتبطة بملف الصحراء الغربية.

وتكتسب الزيارة أهمية خاصة باعتبارها الأولى لرئيس الحكومة الإسبانية إلى الجزائر منذ اندلاع الأزمة بين البلدين، حيث حملت رسائل سياسية واضحة بشأن رغبة الطرفين في تجاوز مرحلة الخلافات وإعادة بناء الثقة، إلى جانب إحياء التعاون الاقتصادي وتعزيز التنسيق في الملفات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

وخلال اللقاء الذي جمع سانشيز بالرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، أكد رئيس الوزراء الإسباني أن الجزائر تمثل بالنسبة لبلاده شريكًا استراتيجيًا وليس مجرد دولة جارة، مشددًا على أن مدريد تسعى إلى فتح مرحلة جديدة من العلاقات تقوم على الحوار والتعاون المتبادل وتحقيق المصالح المشتركة.

وأشار سانشيز إلى أهمية تطوير العلاقات الثنائية في مختلف المجالات، خاصة الاقتصادية والتجارية، مؤكدًا أن حكومته تنظر إلى الجزائر باعتبارها شريكًا أساسيًا في منطقة البحر المتوسط، وأن تعزيز التعاون بين البلدين يمثل خيارًا مهمًا في ظل التحولات الدولية المتسارعة.

الطاقة.. محور رئيسي في التقارب بين البلدين

تصدر ملف الطاقة أجندة المباحثات بين الجانبين، في ظل الدور المتزايد الذي تلعبه الجزائر في تلبية احتياجات السوق الإسبانية من الغاز الطبيعي، خاصة مع اعتماد مدريد بشكل كبير على واردات الطاقة في ظل التحديات التي تواجه أسواق الطاقة العالمية.

وأصبحت الجزائر منذ بداية عام 2026 المورد الأول للغاز الطبيعي إلى إسبانيا، مستفيدة من خط أنابيب "ميدغاز" الذي يربط البلدين مباشرة عبر البحر المتوسط، وهو ما منح العلاقات في قطاع الطاقة أهمية استراتيجية للطرفين.

ورافق سانشيز خلال زيارته عدد من المسؤولين التنفيذيين في شركات الطاقة الإسبانية، في خطوة تعكس رغبة مدريد في توسيع التعاون مع الجزائر في هذا القطاع الحيوي، وضمان استقرار إمدادات الغاز خلال الفترة المقبلة.

ويمثل التعاون في مجال الطاقة مصلحة مشتركة، حيث توفر الجزائر سوقًا مهمة لصادراتها من الغاز، بينما تحصل إسبانيا على مصدر قريب وموثوق للطاقة، في وقت تسعى فيه الدول الأوروبية إلى تنويع مصادر الإمدادات وتقليل المخاطر المرتبطة بالأزمات الجيوسياسية.

شراكة اقتصادية تتجاوز ملف الطاقة

لم تقتصر المحادثات بين الجزائر وإسبانيا على قطاع الطاقة فقط، بل امتدت إلى بحث آليات تطوير العلاقات الاقتصادية والاستثمارية، وزيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين.

وأكد سانشيز أن بلاده ترغب في بناء شراكة اقتصادية أكثر قوة مع الجزائر، من خلال تشجيع الاستثمارات الإسبانية وتوسيع مجالات التعاون في قطاعات متعددة، بما يحقق فوائد اقتصادية مشتركة.

من جانبه، وصف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون المباحثات بأنها مثمرة، مؤكدًا أن العلاقات بين البلدين دخلت مرحلة جديدة تتسم بالحيوية والرغبة في تعزيز التعاون في مختلف المجالات.

كما تناولت اللقاءات ملفات أخرى مهمة، من بينها الاستثمار، وتطوير البنية التحتية، والهجرة غير النظامية، وهي قضايا تمثل أهمية كبيرة للطرفين بحكم الموقع الجغرافي للبلدين على ضفتي البحر المتوسط.

الصحراء الغربية.. ملف الخلاف الأكبر

ورغم الأجواء الإيجابية التي أحاطت بالزيارة، ظل ملف الصحراء الغربية حاضرًا باعتباره السبب الرئيسي في الأزمة التي ضربت العلاقات الجزائرية الإسبانية خلال السنوات الماضية.

وكانت الحكومة الإسبانية قد أعلنت عام 2022 دعمها للمبادرة المغربية المتعلقة بالحكم الذاتي في الصحراء الغربية، وهو القرار الذي شكل تحولًا كبيرًا في موقف مدريد من النزاع، وأثار اعتراض الجزائر التي اعتبرت الخطوة خروجًا عن موقف الحياد التقليدي.

وردت الجزائر حينها بتجميد معاهدة الصداقة والتعاون مع إسبانيا، وسحب سفيرها من مدريد، إضافة إلى فرض قيود أثرت على العلاقات التجارية بين البلدين.

ورغم عدم الإعلان عن اتفاقات جديدة بشأن هذا الملف، فإن عودة الحوار بين الطرفين تشير إلى وجود رغبة في احتواء الخلافات وإبقائها ضمن إطار النقاش السياسي، بعيدًا عن التأثير على المصالح المشتركة.

ويرى مراقبون أن زيارة سانشيز تمثل بداية مرحلة جديدة في العلاقات الجزائرية الإسبانية، عنوانها الرئيسي تغليب المصالح المشتركة والبراغماتية السياسية، خاصة في مجالات الطاقة والاستثمار والأمن والهجرة، بما يعيد رسم العلاقة بين البلدين على أسس أكثر استقرارًا خلال المرحلة المقبلة.