في القرى المصرية وعلى ضفاف الترع والحقول المظلمة، تناقلت الأجيال حكايات غامضة عن النداهة، تلك الكائنة الأسطورية التي تُخفي نفسها في الظلام وتنادي ضحاياها بأسمائهم بصوت أنثوي ساحر. لا يجرؤ أحد على تجاهل النداء، ومن يلتفت أو يستجيب يختفي في العتمة إلى الأبد.
أسطورة الريف والخوف من المجهول
لم تكن "النداهة" مجرد حكاية تُروى لتخويف الأطفال أو منع الشباب من السهر خارج المنازل، بل أصبحت رمزًا عميقًا للخوف الكامن في وجدان الريف المصري، حيث تتقاطع الحدود بين الواقع والخيال، ويتحول الليل إلى ساحة للغموض والأساطير. هذه القصة تعكس طبيعة الإنسان في مواجهة المجهول، والخوف من الماورائيات التي لا يملك تفسيرًا لها.
ملامح النداهة في الفولكلور الشعبي
تظهر النداهة في المخيال الشعبي على هيئة امرأة فاتنة الجمال، بصوت عذب يجذب الرجال تحديدًا. تدعوهم للسير خلفها نحو مصير مجهول، ويقال إن من ينجو من ندائها يفقد ذاكرته أو يصيبه الجنون. في روايات أخرى، توصف بأنها تمص دماء ضحاياها أو تغرقهم في الترعة.
ولأن الثقافة الشعبية المصرية تعتمد على النقل الشفهي، فقد تنوعت الروايات، لكنها جميعًا تشترك في صورة المرأة الغامضة التي تستدرج ضحاياها — رمز الغواية والخطر في آنٍ واحد. يشبه هذا النموذج الأسطوري قصص “عروس البحر” أو “السيرينا” في التراث الأوروبي، إلا أن النداهة مصرية الملامح، تعكس خوف المجتمع الريفي من سحر المرأة ومن قوة المجهول.
النداهة على شاشة السينما
عام 1975، قدم المخرج حسين كمال فيلم النداهة بطولة ماجدة وشكري سرحان وإيهاب نافع، في معالجة مختلفة للأسطورة.
البطلة “فتحية” (ماجدة) لم تستدرجها النداهة من الحقول، بل نادتها “نداهة المدينة”. كانت تحلم بمغادرة قريتها والسفر إلى القاهرة، المدينة التي بدت لها رمزًا للحرية والثراء. اعتقد أهل قريتها أن النداهة نادتها إلى مصير غامض، لكن الحقيقة أن صوت النداهة كان رمزيًا — نداء الطموح الزائف والاغتراب في عالم المدينة.
وبعد انتقالها إلى القاهرة وزواجها من “حامد” (شكري سرحان)، واجهت صدمة الواقع، حيث اصطدمت بأوهامها لتكتشف أن المدينة لم تكن سوى نداهة جديدة، تبتلع البسطاء القادمين من الريف وتتركهم حائرين أمام بريقها المخادع.
بين الخرافة والتحليل النفسي
يرى بعض الباحثين أن النداهة ليست مجرد أسطورة، بل تمثل تجسيدًا نفسيًا لمخاوف الإنسان من الليل والعزلة والنداء الداخلي الذي يقوده نحو رغباته المكبوتة أو نهايته المحتومة. آخرون يرونها رمزًا للغواية الأنثوية والخطر الكامن في المجهول.
ورغم مرور الزمن وتبدل شكل الريف المصري، لا تزال حكاية النداهة تُروى في الجلسات الليلية، كأنها كائن يعيش في الذاكرة الجمعية لا يموت. فـالنداهة ليست فقط أسطورة مرعبة، بل مرآة تعكس علاقة الإنسان بالخوف، والمرأة، والمجهول، في مزيجٍ خالد من الخيال الشعبي والرمز الإنساني.