الحاكم بأمر الله.. لغز الفاطميين بين الزهد والاستبداد والاختفاء الغامض
يُعدّ الحاكم بأمر الله (996 – 1021م) من أكثر الشخصيات المثيرة للجدل في تاريخ الدولة الفاطمية والعالم الإسلامي، فهو الخليفة الفاطمي السادس، واسمه الكامل أبو علي المنصور بن العزيز بالله بن المعز لدين الله الفاطمي. وُلد في القاهرة عام 985م، وتولى الحكم وهو في الحادية عشرة من عمره بعد وفاة والده، ليصبح أصغر خلفاء الفاطميين سنًا عند اعتلائه العرش.
منذ بداية حكمه، لفت الأنظار بطبيعته الغامضة وشخصيته الفريدة، إذ جمع بين التدين الشديد والزهد من جهة، والصرامة السياسية واتخاذ القرارات المفاجئة من جهة أخرى. كانت سنوات حكمه، التي امتدت نحو خمسةٍ وعشرين عامًا، مليئة بالإصلاحات الجريئة، إلى جانب قرارات غير مألوفة حيّرت المؤرخين وجعلت منه لغزًا حقيقيًا في التاريخ.
إصلاحات وعدل صارم
حرص الحاكم بأمر الله على نشر العدل بين الناس، فخفض أسعار السلع الأساسية، وأمر بمراقبة الأسواق، وأشرف بنفسه على توزيع المؤن للفقراء والمحتاجين. كان يطبق القوانين بصرامة حتى على المقربين منه، مؤكدًا أن العدالة فوق الجميع. كما أمر بفتح المساجد ليلًا ليتمكن الناس من العبادة، واهتم برعاية العلماء والفقهاء، وشجع دراسة الفلك والفلسفة والعلوم.
قرارات غريبة تثير الدهشة
في المقابل، عُرف الحاكم بقرارات مثيرة للغرابة، فقد أصدر أوامر بمنع أكل الملوخية لفترة من الزمن، كما حظر بيع العنب أو شرب عصيره، ومنع النساء من الخروج ليلًا، بل وحرّم بعض المهن مؤقتًا دون تفسير واضح. كانت هذه القرارات سببًا في حيرة الناس، إذ لم يعرفوا إن كانت نابعة من اجتهاد ديني أم نزعة شخصية غامضة.
علاقته بالدعوة الدرزية
يرتبط اسم الحاكم بأمر الله أيضًا بنشأة المذهب الدرزي، إذ اعتبره بعض أتباع هذه الدعوة تجسدًا للإله، وهو ما رفضه علماء الإسلام بشدة. لم يعلن الحاكم صراحة قبوله لهذا الفكر، لكن الدعوة الدرزية ظهرت في عهده على يد الداعية حمزة بن علي، الذي نشر فكرة ألوهية الحاكم بين أتباعه، ما جعل اسمه مرتبطًا بالمذهب حتى بعد وفاته.
لغز الاختفاء الغامض
في عام 1021م، خرج الحاكم في نزهة ليلية على ظهر حصانه في جبل المقطم، ولم يعد بعدها أبدًا. ومنذ ذلك اليوم، ظل مصيره لغزًا تاريخيًا لم يُحسم حتى الآن. فبعض الروايات تؤكد أنه اغتيل بأمر من شقيقته ست الملك، التي أرادت السيطرة على الحكم، بينما يرى آخرون أنه اعتزل الحياة السياسية متخفيًا ليعيش زاهدًا. أما أتباعه من الدروز، فيعتقدون أنه لم يمت، بل غاب عن الأنظار وسيعود يومًا ما.
إرث من الغموض والدهشة
يبقى الحاكم بأمر الله شخصية فريدة في التاريخ الفاطمي، جمعت بين الإصلاح والتشدد، وبين العقلانية والغرابة. فقد كان زاهدًا في الدنيا، لكنه قويّ الإرادة في الحكم، متناقضًا إلى حدّ يصعب تفسيره. وبالرغم من مرور القرون، لا يزال اسمه حاضرًا في الذاكرة الشعبية المصرية والعربية، كرمزٍ للحاكم الغامض الذي جمع بين الهيبة والدهشة، وترك إرثًا يختلط فيه التاريخ بالأسطورة.
