×

حكاية قهوة الفيشاوي.. ذاكرة الحسين التي لا تنام

الخميس 1 يناير 1970 02:00 صـ 14 ذو القعدة 1447 هـ
حكاية قهوة الفيشاوي.. ذاكرة الحسين التي لا تنام

كل ركن في حي الحسين له حكاية، وكل مقهى فيه يحمل في جدرانه ذاكرة زمن مضى. لكن قهوة الفيشاوي ليست مجرد مقهى، إنها حكاية القاهرة القديمة التي ما زالت تنبض في زواياها بروح الأجداد وعبق التاريخ.

في قلب الحسين، وتحديدًا بين الأزقة الضيقة التي تختلط فيها رائحة القهوة بدخان النارجيلة وصوت المآذن، وُلدت أسطورة المعلم فهمي الفيشاوي، الرجل الذي لم يكن فتوة كما يظن البعض، بل رمزًا للكرامة والشهامة والعدل الشعبي. كانت كلمته قانونًا، وابتسامته أمانًا، وعصاه ميزانًا للحق بين الناس.

يحكي أهل الحي أن الفيشاوي لم ينل احترامه بالكلام، بل بالتصدي للظلم. واجه فتوةً آخر يدعى مهدي العجمي، اشتهر ببطشه وسطوته، حتى ضاق الناس به. حينها وقف الفيشاوي في وجهه، ودارت بينهما معارك طويلة، انتهت بانتصار الفيشاوي وثقة أهل الحسين فيه. ومنذ ذلك الحين صار هو “كبير الحسين” وسيد القهوة التي ستصبح أسطورة.

بدأت الحكاية من كشك صغير عام 1797، تحول لاحقًا إلى قهوة شهيرة بعد أن حصل الفيشاوي على قطعة أرض من إحدى الأميرات، وتراخيص رسمية عام 1798. ومع مرور الزمن، صارت القهوة بمساحتها الواسعة التي تجاوزت 900 متر ملتقى لكل فئات المجتمع: الأعيان، الأدباء، الفنانون، وأبناء الحارة.

تتكون القهوة من ثلاث غرف، لكل واحدة شخصيتها وروحها الخاصة:

  • غرفة البسفور: كانت للأمراء والأعيان، مزينة بالأبنوس والفضة.

  • غرفة التحفة: ملتقى الأدباء والفنانين، من بينهم نجيب محفوظ وأحمد رامي.

  • غرفة القافية: كانت ميدانًا للمساجلات الشعرية الرمضانية، يتبارز فيها الشعراء بالقوافي دفاعًا عن أحياء القاهرة.

جدران القهوة تحولت إلى سجل فني وتاريخي، تحمل أسماء لامعة: نجيب محفوظ، حافظ إبراهيم، محمد عبد الوهاب، فريد الأطرش، وحتى سيسيل ديميل المخرج العالمي الذي جلس هناك سبعة عشر يومًا أثناء تصوير فيلمه وادي الملوك في الستينيات، كما زارها المخرج إيليا كازان عام 1990.

كانت القهوة تفيض بالحياة، بأرابيسكها العتيق ودككها الخشبية ورخامها الأبيض اللامع، لكن الزمن لم يرحمها. ففي عام 1961، جاءت توسعة ميدان الحسين كضربة موجعة، فقدت القهوة جزءًا كبيرًا من مساحتها، وتقلصت من 400 متر إلى 150 فقط. لم يحتمل صاحبها الحزن، وقيل إن قلبه توقف من شدة الصدمة.

ورغم كل ما تغير حولها، بقيت قهوة الفيشاوي صامدة، كأنها ترفض أن تموت. لا تزال مزدحمة مهما كان الوقت، وكأنها تستمد زوارها من ذاكرة القاهرة نفسها. يقول روادها إن للشاي الأخضر هناك طعمًا مختلفًا، بطعم الزمن القديم، وأن زيارتها فجراً تشبه لقاءً سريًا مع التاريخ، حين تصمت الأصوات ولا يبقى سوى همس الأرواح القديمة.

الفيشاوي اليوم ليست مجرد مقهى في قلب القاهرة، بل رمز حيّ للروح المصرية، تجمع بين الفتونة والعدل، بين الفن والجدعنة، وبين عبق التاريخ ونبض الحاضر. وفي كل ركن منها، ما زال طيف المعلم فهمي يجلس مبتسمًا، كأنه يهمس لزائريه:
"الرجولة مش في القوة، الرجولة في الكلمة اللي ما تتكسرش."