×

منى الحديدي: مواجهة خطاب الكراهية الرقمي تبدأ ببناء الوعي النقدي لدى الشباب

الخميس 29 أكتوبر 2026 01:01 مـ 17 جمادى أول 1448 هـ
منى الحديدي
منى الحديدي

أكدت الدكتورة منى الحديدي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة العاصمة والفائزة بجائزة الدولة للتفوق في العلوم الاجتماعية، أن مواجهة خطاب الكراهية الرقمي تتطلب بناء الوعي النقدي والمناعة المعرفية لدى الأجيال الجديدة، في ظل تنامي تأثير خوارزميات المنصات الرقمية في تشكيل الوعي وتوجيه السلوك، مشددة على أهمية تنمية مهارات التمحيص والتحليل لدى الشباب، وتعزيز قدرتهم على التمييز بين النقد الموضوعي ومحاولات التشويه والتحريض.

وأوضحت الحديدي، في حوار مع وكالة أنباء الشرق الأوسط، اليوم الخميس، أن خطاب الكراهية الرقمي لم يعد مجرد انفعالات فردية معزولة، بل أصبح ظاهرة تتغذى على خوارزميات المنصات التي تستهدف زيادة التفاعل والإثارة، بما قد يؤدي إلى نشر التنمر والتخوين واستبعاد المختلف، والتأثير سلبًا في ثقة الأجيال الناشئة بالمؤسسات والرموز المجتمعية.

منى الحديدي: المناعة الرقمية تبدأ بكشف آليات خطاب الكراهية

وقالت أستاذ علم الاجتماع إن تفكيك خطاب الكراهية يبدأ بتوعية الشباب بآلياته، وتوضيح كيفية توظيف المحتوى المثير للانتباه في جذب التفاعل، مع إخضاعه للتحليل العلمي الذي يميز بين النقد البناء ومحاولات الهدم وتصفية الحسابات.

وأضافت أن بناء المناعة الرقمية لا يتحقق بمجرد حجب المحتوى أو فرض القيود، وإنما من خلال تنمية الحس النقدي، وتعزيز الذكاء العاطفي، وتدريب الشباب على التحقق من المعلومات وعدم الانجراف وراء القطيع الإلكتروني أو الأحكام المتسرعة.

وشددت على ضرورة الابتعاد عن أساليب الوعظ والوصاية والترهيب التقليدي عند توعية الشباب بمخاطر وسائل التواصل الاجتماعي، موضحة أن الوعي الحقيقي يتطلب إدماج مفاهيم محو الأمية الخوارزمية في المناهج والأنشطة التعليمية، حتى يدرك الشباب كيفية توجيه انتباههم واستخدام بياناتهم واستغلال وقتهم لأغراض تجارية أو استقطابية.

وأشارت إلى أهمية توفير مساحات تفاعل واقعية وجاذبة للأطفال والشباب في مجالات الفنون والرياضة والبحث العلمي والعمل التطوعي، إلى جانب فتح قنوات للحوار تتيح لهم التعبير عن تجاربهم ومخاوفهم، وتشجعهم على أن يصبحوا صناع محتوى واعين بدلًا من الاكتفاء باستهلاك المحتوى الرقمي.

الرقابة الأسرية على السوشيال ميديا تقوم على الثقة والمشاركة

وفيما يتعلق بآليات متابعة استخدام الشباب والأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي، أكدت الحديدي ضرورة التمييز بين المراقبة القهرية والمرافقة الرقمية القائمة على المشاركة والثقة.

وأوضحت أن المتابعة الأسرية الفعالة لا ينبغي أن تقوم على التفتيش المستمر الذي قد يدفع الأبناء إلى التحايل أو الابتعاد عن الأسرة، وإنما على الاتفاق المسبق بشأن ضوابط الاستخدام، وبناء جسور من المصارحة تسمح لهم باللجوء إلى ذويهم عند التعرض للابتزاز أو المخاطر الرقمية دون خوف من العقاب.

وعلى المستوى المؤسسي والمجتمعي، دعت إلى تفعيل الأطر التشريعية والقانونية لمكافحة جرائم تقنية المعلومات وحماية البيانات الشخصية، ومساءلة المنصات والمنابر التي تنشر محتوى ضارًا، إلى جانب رصد الظواهر الاجتماعية الرقمية المستحدثة ووضع استراتيجيات وقائية للتعامل معها.

الذكاء الاصطناعي يثير تحديات أمام الإبداع والتوثيق العلمي

وتطرقت الحديدي إلى تأثير الذكاء الاصطناعي في العملية الإبداعية والبحث العلمي، مؤكدة أنه يمثل أداة قادرة على مضاعفة القدرات البشرية، لكنه يحتاج إلى حوكمة نقدية وأخلاقية تضمن الاستخدام المسؤول لتطبيقاته.

وأوضحت أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تستطيع إنتاج نصوص وصور متقدمة من الناحية الشكلية، لكنها لا تعوض التجربة الإنسانية والوجدان والخبرات المعيشية التي تشكل مصادر أساسية للإبداع، محذرة من أن الخطر يكمن في تخلي الإنسان عن دوره النقدي والإبداعي والاعتماد الكامل على الآلة.

وفيما يتعلق بالتوثيق العلمي، حذرت من ظاهرة الهلوسة الرقمية التي قد تدفع بعض النماذج إلى تقديم مراجع أو عناوين دراسات غير موجودة، رغم ظهورها بصورة مقنعة، مؤكدة أن الاعتماد غير المدقق على هذه المخرجات يهدد الأمانة العلمية والرصانة الأكاديمية.

وشددت على ضرورة إجراء الفحص الببليوجرافي الدقيق، والرجوع إلى المصادر الأولية، والتحقق من صحة المراجع والمعلومات، مع احتفاظ الباحث بمسؤوليته النقدية والأخلاقية عن كل ما يقدمه من نتائج.

جائزة الدولة للتفوق مسؤولية أكاديمية ومجتمعية

وعن فوزها بجائزة الدولة للتفوق في العلوم الاجتماعية، أعربت الدكتورة منى الحديدي عن امتنانها واعتزازها بهذا التكريم، مؤكدة أنه يمثل مسؤولية أكاديمية ومجتمعية مضاعفة، وليس مجرد تتويج فردي لمسيرتها العلمية.

وقالت إن الباحث الحقيقي لا يجعل الجوائز هدفه الأساسي، وإنما ينطلق من الرغبة في خدمة العلم والمجتمع والإنسان، مشيرة إلى أن تقدير الدولة للجهود البحثية يمثل اعترافًا بأهمية العمل العلمي المخلص ودوره في معالجة قضايا المجتمع.

وأضافت أن علم الاجتماع ليس ترفًا نظريًا، بل يمثل ركيزة أساسية لفهم المجتمع والمساهمة في صياغة السياسات الاجتماعية ودعم تماسكه، من خلال البحوث الميدانية التي ترصد واقع المواطنين واحتياجاتهم وتترجمها إلى رؤى علمية قابلة للتطبيق.

وأكدت أن الجائزة تعزز قناعتها بأهمية الربط بين النظرية الأكاديمية والواقع العملي، خاصة في قضايا الأسرة والطفولة والشباب وتمكين المرأة ومواجهة العنف والاتجار بالبشر وخطاب الكراهية.

واختتمت الحديدي بالتأكيد على أن القيمة الحقيقية للمعرفة الاجتماعية تُقاس بقدرتها على خدمة الإنسان وصون كرامته وحماية تماسك المجتمع، وإحداث أثر إيجابي ملموس في حياة المواطنين، معتبرة أن التكريم يمثل بداية لمسؤولية أكبر في مواصلة البحث العلمي وخدمة المجتمع.