×

خبير عقاري: ارتفاع الأسعار وحده لا يعني وجود فقاعة.. وهذه مؤشرات السوق الحقيقية

الأربعاء 16 سبتمبر 2026 07:12 مـ 3 ربيع آخر 1448 هـ
حسام الشاهد
حسام الشاهد

أكد حسام الشاهد، خبير التطوير العقاري ورئيس القطاع التجاري بشركة كيان للتطوير العقاري، أن التحولات التي شهدتها السوق العقارية المصرية خلال السنوات الأخيرة تفرض إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين العقار كسلعة سكنية واستثمارية، وبين دوره المتزايد كأداة لحفظ القيمة والثروة، في ظل المتغيرات الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم.

وأوضح الشاهد أن ارتفاع أسعار العقارات لا يمكن تقييمه بمعزل عن التطورات الاقتصادية التي دفعت شريحة واسعة من المدخرين والمستثمرين إلى البحث عن أصول قادرة على الحفاظ على قيمة أموالهم في مواجهة التضخم وتقلبات الأسواق.

وأضاف أن تدفق جزء كبير من السيولة نحو القطاع العقاري يمثل، في جانب منه، استجابة طبيعية لسلوك المستثمرين في بيئة اقتصادية تتغير فيها قيمة النقود بصورة سريعة، إلا أن استمرار هذه الظاهرة يثير تساؤلات بشأن كيفية تحقيق التوازن بين الوظيفة الاستثمارية للعقار ووظيفته الأساسية كأحد المكونات الرئيسية للاحتياجات السكنية.

وأشار إلى أن هذه القضية تزداد أهمية مع اتساع الفجوة بين مستويات أسعار العقارات وقدرة بعض شرائح المواطنين على تحمل تكلفة شراء الوحدات السكنية، ما يستدعي العمل على إيجاد آليات تساعد على تحقيق التوازن بين الاستثمار العقاري وتلبية الطلب الحقيقي على السكن.

وأوضح الشاهد أن الحديث عن وجود فقاعة عقارية لا يجب أن يقتصر على ارتفاع مستويات الأسعار فقط، مشيرًا إلى أن تقييم أوضاع السوق يتطلب دراسة مجموعة واسعة من المؤشرات، أبرزها مستويات الطلب الفعلي، ومعدلات الإشغال، وحجم الوحدات غير المستغلة، ومعدلات إعادة البيع، وهيكل التمويل، وقدرة المشترين على الوفاء بالتزاماتهم، فضلًا عن العلاقة بين أسعار العقارات ومستويات الدخول.

وأكد أن العقار أصبح خلال السنوات الماضية وسيلة رئيسية للتحوط من التضخم والحفاظ على القيمة بالنسبة إلى قطاعات من المستثمرين، ما ساهم في استمرار جاذبية القطاع باعتباره وعاء ادخاريًا واستثماريًا.

وحذر في الوقت نفسه من أن تحول نسبة متزايدة من الأصول العقارية إلى مجرد مخزن للثروة دون استخدام فعلي أو مساهمة في نشاط اقتصادي منتج قد يمثل تحديًا أمام كفاءة تخصيص الموارد، خصوصًا عندما تصبح الأرض أو الوحدة السكنية وسيلة للاحتفاظ بالقيمة أكثر من كونها أصلًا مستخدمًا أو مولدًا لنشاط اقتصادي.

وأشار الشاهد إلى أن الدولة تتحرك نحو تعزيز تنظيم السوق العقارية ورفع مستويات الحوكمة والشفافية، إلى جانب تطوير آليات حماية حقوق المشترين وتنظيم العلاقة بين مختلف أطراف المنظومة العقارية.

واعتبر أن هذه التحركات تمثل خطوات مهمة نحو بناء سوق أكثر انضباطًا، إلا أن ملف القدرة على تحمل تكاليف السكن يحتاج إلى معالجة اقتصادية أوسع ترتبط بكيفية توجيه المعروض والتمويل والاستثمارات إلى الاحتياجات الفعلية للمجتمع.

ولفت إلى أن تجارب عدد من الأسواق الدولية أظهرت إمكانية استخدام مجموعة متنوعة من الأدوات لتحقيق التوازن بين الاستثمار وتوفير السكن، ومن بينها ربط بعض الحوافز الاستثمارية بتوفير وحدات ميسورة التكلفة، ومنح حوافز ضريبية للمشروعات التي تسهم في زيادة المعروض الموجه إلى الشرائح المستهدفة.

كما تشمل هذه الأدوات توجيه جانب من التمويل إلى المشروعات التي تستجيب للاحتياجات السكنية الحقيقية، بدلًا من التركيز بشكل كامل على المنتجات العقارية الموجهة للشرائح الأعلى قدرة شرائية.

وأوضح الشاهد أن الاستفادة من التجارب الدولية في السوق المصرية لا تعني نقل نماذج جاهزة وتطبيقها بصورة حرفية، وإنما دراسة الأدوات المستخدمة واختيار ما يتناسب منها مع طبيعة الاقتصاد المصري وهيكل الملكية ومستويات الدخول واحتياجات المدن الجديدة والمناطق العمرانية المختلفة.

وأكد أن السياسة العقارية الفعالة يجب أن تحقق توازنًا بين تشجيع الاستثمار والحفاظ على جاذبية القطاع من جانب، وتوفير منتجات سكنية تتناسب مع القدرات الشرائية المختلفة من جانب آخر.

واقترح الشاهد إمكانية أن تكون الضريبة العقارية أحد العناصر التي تدخل ضمن هذه المعادلة حال تطويرها في إطار رؤية متكاملة، بحيث لا يقتصر دورها على كونها موردًا ماليًا للخزانة العامة فقط، وإنما يمكن دراسة استخدامها ضمن السياسة الاقتصادية لتحفيز الاستخدام الأكثر كفاءة للأصول العقارية.

وشدد على ضرورة مراعاة طبيعة الملكية والسكن الفعلي والأنشطة الاقتصادية والشرائح الاجتماعية المختلفة عند تطوير أي سياسات ضريبية مرتبطة بالقطاع العقاري.

وأضاف أن استخدام الضرائب كأداة لتنظيم السوق يجب أن يتم بصورة محسوبة ومتدرجة، حتى لا يؤدي إلى نتائج عكسية تتمثل في تحميل المستخدم النهائي تكاليف إضافية أو التأثير سلبًا على الاستثمار المنتج.

وأكد أن الهدف الأساسي من أي تعديلات في هذا الاتجاه يجب أن يتمثل في تحسين كفاءة استخدام الأصول وتحفيز عمليات التطوير والاستخدام الفعلي للعقارات، وليس فرض أعباء جديدة على السوق دون مراعاة الظروف الاقتصادية.

وأوضح الشاهد أن معالجة ارتفاع أسعار العقارات لا يمكن أن تعتمد على أداة واحدة فقط، سواء من خلال زيادة المعروض أو تنظيم بعض الممارسات الاستثمارية أو تطوير السياسة الضريبية، نظرًا لارتباط السوق العقارية بعدد كبير من المتغيرات الاقتصادية.

وتشمل هذه المتغيرات تكلفة الأراضي ومواد البناء والتمويل وأسعار الفائدة ومستويات الدخول، بالإضافة إلى التوزيع الجغرافي للطلب وسلوك المستثمرين والمشترين.

وأشار إلى أن زيادة المعروض تظل عنصرًا أساسيًا في التعامل مع احتياجات السوق، لكن الأمر لا يرتبط بعدد الوحدات الجديدة فقط، وإنما بنوعية المعروض وموقعه وسعره وتوقيت طرحه ومدى توافقه مع القدرة الشرائية للفئات المستهدفة.

وأوضح أن ضخ وحدات جديدة في السوق لا يضمن بالضرورة معالجة مشكلة القدرة على تحمل تكاليف السكن إذا كان الجزء الأكبر من هذا المعروض موجهًا إلى شرائح لا تمثل الجزء الأكبر من الطلب السكني الحقيقي.

ولفت الشاهد إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من النظر إلى السوق العقارية باعتبارها محركًا للمبيعات والاستثمار فقط، إلى التعامل معها باعتبارها أحد القطاعات المؤثرة في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وتوزيع الثروة واستخدامات الأراضي.

وأضاف أن تطوير منظومة البيانات ورفع مستويات الشفافية وقياس حجم الطلب الحقيقي تعد من العناصر الأساسية التي يمكن الاعتماد عليها لصياغة سياسات عقارية أكثر دقة وكفاءة خلال الفترة المقبلة.

واختتم الشاهد بالتأكيد على أن مستقبل السوق العقارية المصرية لن يرتبط فقط بقدرتها على تحقيق معدلات نمو ومبيعات مرتفعة، وإنما بمدى قدرتها على تحقيق توازن مستدام بين الاستثمار والسكن، وبين الحفاظ على القيمة والاستخدام الفعلي للأصول.

وأكد أن تنظيم السوق لا يجب أن يستهدف الحد من الاستثمار العقاري، وإنما توجيه الاستثمارات نحو نموذج أكثر كفاءة يضمن استمرار جاذبية القطاع للمستثمرين، وفي الوقت نفسه يوسع فرص الحصول على سكن مناسب لمختلف شرائح المجتمع، بما يعزز استقرار السوق ويربط نمو القطاع بصورة أكبر بالاقتصاد الحقيقي واحتياجات المواطنين.