×

«أول مصنع وطني للذكاء الاصطناعي».. مصر تدخل سباق الحوسبة المتقدمة

الجمعة 11 سبتمبر 2026 03:44 مـ 28 ربيع أول 1448 هـ
«أول مصنع وطني للذكاء الاصطناعي».. مصر تدخل سباق الحوسبة المتقدمة

اتخذت مصر أولى خطواتها لاقتحام واحدة من أكثر ساحات التكنولوجيا سخونة في العالم، بعدما أعلنت كاسافا تكنولوجيز وفودافون بيزنس إطلاق أول مصنع وطني للذكاء الاصطناعي في البلاد، في خطوة تتجاوز فكرة تقديم خدمات رقمية جديدة إلى محاولة بناء قاعدة حوسبية محلية قادرة على تدريب وتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل الأراضي المصرية، وفقًا لمجلة تك دوت أفريكا الجنوب أفريقية.

ويأتي المشروع في توقيت تتحول فيه القدرة على امتلاك الحوسبة المتقدمة إلى عنصر من عناصر القوة الاقتصادية والتكنولوجية للدول، بعدما أصبحت نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تحتاج إلى كميات هائلة من البيانات وقدرات معالجة متقدمة، بينما تتسابق الحكومات والشركات الكبرى حول العالم لبناء مراكز بيانات قادرة على استيعاب هذا الطلب المتزايد.

وتعتمد المبادرة المصرية على تقنيات إنفيديا للحوسبة المسرعة، مع توفير قدرات وحدات معالجة الرسوميات للمؤسسات كخدمة، بما يتيح للشركات والجهات الحكومية استخدام قدرات حوسبية متقدمة دون الحاجة إلى شراء وإدارة البنية التحتية بالكامل.

مصر تراهن على «الذكاء الاصطناعي السيادي»

وذكرت مجلة إنجنيرنج نيوز الجنوب أفريقية أن القيمة الحقيقية للمشروع لا تكمن فقط في امتلاك قدرات حوسبية أكبر، وإنما في السعي إلى إبقاء البيانات وعمليات المعالجة داخل مصر، وهو ما يضع مفهوم «الذكاء الاصطناعي السيادي» في قلب المشروع الجديد.

ومع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي داخل البنوك والقطاع الحكومي والاتصالات والخدمات والصناعة، أصبحت مسألة مكان تخزين البيانات ومعالجتها أكثر حساسية، خصوصًا بالنسبة إلى المؤسسات التي تتعامل مع معلومات مالية أو حكومية أو بيانات شخصية ضخمة.

ومن خلال توفير البنية التحتية محليًا، تستطيع المؤسسات تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي دون الحاجة بالضرورة إلى إرسال بياناتها الحساسة إلى مراكز حوسبة خارج البلاد، بما يمنحها درجة أكبر من السيطرة على بياناتها وعملياتها الرقمية.

كما يوفر المشروع قدرة حوسبية يمكن استخدامها في تدريب النماذج وتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهي عمليات تحتاج إلى وحدات معالجة متقدمة وقدرات كهربائية وتبريد وشبكات عالية الكفاءة.

إنفيديا تدخل قلب البنية التكنولوجية المصرية

وتكتسب الخطوة أهمية إضافية مع وجود إنفيديا في قلب المنظومة التكنولوجية التي تعتمد عليها المبادرة، عبر تقنيات الحوسبة المسرعة التي توفرها الشركة الأمريكية.

وتتولى كاسافا تكنولوجيز دورًا رئيسيًا في البنية التحتية ومراكز البيانات، بينما تضيف فودافون بيزنس خبرتها في الخدمات السحابية وحلول المؤسسات واتصالها بقطاع الأعمال في السوق المصرية.

ولا يتوقف الأمر عند توفير المعدات والقدرات الحوسبية، إذ تستهدف الشراكة أيضا تمكين المؤسسات وتطوير المهارات اللازمة للاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي، فامتلاك وحدات معالجة متقدمة لا يعني تلقائيًا امتلاك صناعة ذكاء اصطناعي قادرة على المنافسة، ما لم يتوافر معها متخصصون قادرون على بناء النماذج وتطوير التطبيقات وإدارتها وتشغيلها.

وتمنح هذه النقطة المشروع بعدا يتجاوز البنية التحتية، لأنه يستهدف تكوين منظومة متكاملة تجمع الحوسبة والبيانات والبرمجيات والمهارات في سوق واحدة.

مليار دولار بسباق مراكز البيانات

ولا يأتي مصنع الذكاء الاصطناعي بمعزل عن تحرك استثماري أكبر في قطاع مراكز البيانات المصرية، إذ تعمل فودافون بيزنس والسويدي إليكتريك وكاسافا تكنولوجيز على مشروع لإنشاء مركز بيانات يستهدف بناء قدرة كبيرة لخدمات البيانات والحوسبة السحابية.

وتبلغ قدرة المرحلة الأولى نحو 20 ميجاوات خلال السنوات الثلاث الأولى، مع خطة لرفع القدرة الإجمالية إلى نحو 200 ميجاوات، وتقدر الاستثمارات الأجنبية المباشرة في المرحلة الأولى بنحو 200 مليون دولار، بينما يمكن أن تصل الاستثمارات إلى مليار دولار عند اكتمال القدرة المستهدفة.

وتعكس هذه الأرقام حجم الرهان على تحول مصر إلى مركز إقليمي لخدمات البيانات والحوسبة السحابية، بدلا من الاقتصار على تلبية احتياجات السوق المحلية.

وتملك مصر بالفعل ميزة جغرافية مهمة، إذ تمر عبر أراضيها وشواطئها شبكات رئيسية للكابلات البحرية التي تربط مناطق مختلفة من العالم، وهو ما جعلها ممرا رئيسيا لحركة البيانات الدولية.

لكن إضافة مراكز بيانات وقدرات حوسبة متقدمة إلى هذه الميزة يمكن أن تنقل مصر إلى مرحلة مختلفة، تتحول فيها من مجرد ممر للبيانات إلى مركز لاستضافتها ومعالجتها وتقديم خدمات الذكاء الاصطناعي المرتبطة بها.

وفي اقتصاد عالمي تتزايد فيه أهمية البيانات والرقائق ومراكز البيانات والقدرة الحوسبية، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تطبيق يمكن شراؤه واستخدامه، وإنما أصبح بنية تحتية وقوة اقتصادية تتنافس الدول على امتلاكها.

ومن هنا تأتي أهمية المشروع المصري الجديد، الذي يضع القاهرة أمام فرصة لبناء جزء من هذه البنية داخل حدودها، وفتح الباب أمام الشركات والجامعات ومراكز البحث والشركات الناشئة للوصول إلى قدرات حوسبية متقدمة محليا.