إلغاء سيتي سكيب مصر لأول مرة منذ 2011.. تراجع مشاركة الشركات وارتفاع تكلفة المعرض
في سابقة هي الأولى منذ انطلاق معرض «سيتي سكيب مصر» في السوق المحلية عام 2011، أُلغيت دورة المعرض المقرر تنظيمها خلال العام الجاري، قبل أيام قليلة من موعد انطلاقها، في ظل تراجع عدد الشركات الراغبة في المشاركة وارتفاع تكلفة المساحات المخصصة للعارضين.
وكان من المقرر إقامة الدورة الحالية من المعرض في نهاية سبتمبر وحتى 3 أكتوبر المقبل، إلا أن قرار الإلغاء صدر قبل الموعد المحدد، رغم تنظيم شركة «إنفورما» المسؤولة عن المعرض للمؤتمر الترويجي للفعالية قبل أيام بالعاصمة الإدارية الجديدة.
أقل من 40 شركة
وتراجعت قائمة الشركات المشاركة في المعرض إلى أقل من 40 شركة، وفقًا للبيانات المنشورة على الموقع الرسمي للفعالية، مع غياب عدد من كبار المطورين العقاريين من الفئتين الأولى والثانية.
ودفعت محدودية المشاركة المنظمين إلى تقليص المساحات المخصصة للمعرض، قبل اتخاذ قرار إلغاء الدورة بالكامل.
ويختلف ذلك بصورة واضحة عن دورة 2025، التي كانت النسخة الرابعة عشرة من «سيتي سكيب مصر»، وشارك فيها نحو 80 مطورًا عقاريًا محليًا ودوليًا، مع عرض أكثر من 1000 مشروع عقاري سكني وسياحي وتجاري وإداري، واستهداف ما لا يقل عن 40 ألف زائر.
ارتفاع تكلفة المشاركة
وقال مسؤولون بشركات العقارات لـ«تليجراف مصر»، إن ارتفاع أسعار المساحات المؤجرة من جانب شركة «إنفورما»، المنظمة للمعرض، تزامن مع انخفاض إقبال الشركات على المشاركة، ما جعل الوجود في الفعالية أقل جاذبية بالنسبة إلى عدد من المطورين.
وأشار المسؤولون إلى أن قرار المشاركة أصبح أكثر ارتباطًا بحسابات العائد على الاستثمار، في وقت ترتفع فيه تكاليف التسويق، بينما تواجه السوق المحلية ضغوطًا مرتبطة بارتفاع أسعار العقارات وتراجع القدرة الشرائية لبعض العملاء.
وأوضحوا أن عزوف الشركات الكبيرة عن المشاركة خلال السنوات الأخيرة انعكس سلبًا على بقية الشركات، إذ أصبح المعرض يستقطب بدرجة أكبر الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي ترغب في التواجد بالأساس لوضع اسمها بجانب الشركات الكبرى.
السوق السعودية تنافس المعرض المصري
ولم يكن تراجع المشاركة مفاجئًا بالكامل، إذ شهدت الدورتان السابقتان انخفاضًا في حضور عدد من كبار شركات التطوير العقاري المصرية، بالتزامن مع تنامي أهمية النسخة العالمية من «سيتي سكيب» في العاصمة السعودية الرياض.
وتقام الفعالية السعودية في توقيت قريب من موعد المعرض المصري، ما دفع بعض الشركات إلى توجيه جانب أكبر من ميزانيات المشاركة إلى السوق السعودية، خاصة مع أهمية العملاء المصريين المقيمين في دول الخليج بالنسبة إلى المبيعات العقارية.
ويرتبط ذلك بتغير خريطة الطلب نفسها، إذ أصبحت الشركات تبحث عن الفعاليات والقنوات التي تحقق عائدًا تسويقيًا وبيعيًا أكبر، بدلًا من الاعتماد على المعارض العقارية كأداة رئيسية للوصول إلى العملاء.
أحمد العتال: السوق لم تعد «سوق معارض»
ويرى المهندس أحمد العتال، رئيس مجلس إدارة مجموعة شركات العتال القابضة، أن إلغاء معرض «سيتي سكيب مصر» لا يعني فقدان السوق العقارية المصرية قوتها أو توقف الطلب، وإنما يعكس تغيرًا في طبيعة السوق وأدوات البيع والتسويق خلال السنوات الأخيرة.
وقال العتال في منشور عبر فيسبوك، إن السوق العقارية لم تعد «سوق معارض» بالشكل الذي اعتادت عليه سابقًا، موضحًا أن سلوك العميل تغير، كما تغيرت أدوات التسويق والبيع لدى الشركات.
وأضاف أن المنصات الرقمية والتسويق المباشر والفعاليات الخاصة بكل شركة وتجربة العميل أصبحت أدوات أكثر تأثيرًا في قرار الشراء مقارنة بالتواجد في معرض لعدة أيام.
وأوضح أن سياسة التسعير الخاصة بإدارة «سيتي سكيب» خلال العامين الماضيين لعبت دورًا في ابتعاد عدد من الشركات عن المشاركة، خاصة مع الارتفاع الكبير في تكلفة إيجارات ومساحات المعرض، إلى جانب تكاليف التجهيز والتشغيل والتسويق.
تكلفة المعرض مقابل الحملات المباشرة
وبحسب العتال، فإن الشركات باتت تنظر بصورة أكبر إلى العائد على الاستثمار عند تحديد أدوات التسويق التي تستخدمها، موضحًا أن تكلفة المشاركة في معرض كبير يمكن، في بعض الحالات، أن تمول حملة تسويقية قوية وممتدة لفترة أطول، وتصل إلى العميل بصورة مباشرة وأكثر استهدافًا.
وأكد أن إلغاء «سيتي سكيب» لا يمثل بالضرورة مؤشرًا سلبيًا على السوق العقارية المصرية، معتبرًا أن الطلب ما زال موجودًا وأن السوق مستمرة في البيع، لكن أدوات الوصول إلى العميل تغيرت.
وقال إن السوق «لم تتوقف عن البيع، لكنها لم تعد في حاجة إلى نفس الأدوات التي كانت تعتمد عليها بالأمس»، معتبرًا أن التغير لم يقتصر على العقار نفسه، وإنما شمل طريقة الوصول إلى العميل.
استراتيجيات المطورين تغيرت
من جانبه، قال خبير التقييم العقاري خالد المهدي، إن غياب الشركات عن المشاركة في معرض «سيتي سكيب» لا يعكس بالضرورة عزوفًا عن السوق أو ضعفًا في النشاط العقاري، وإنما يرتبط باستراتيجيات المبيعات الخاصة بكل مطور.
وأوضح المهدي لـ«تليجراف مصر» أن الشركات الكبرى لديها خطط واضحة لتسويق مشروعاتها، وتعتمد على آليات مستقلة تحقق لها المبيعات المستهدفة دون الحاجة إلى المشاركة الدورية في المعارض.
وأضاف أن هذه الشركات تمتلك قواعد عملاء ثابتة، وتطرح وحداتها وفق خطط مدروسة، وفي بعض الأحيان على مراحل، وبالتالي فإن المشاركة في معرض ليست شرطًا لتحقيق أهدافها البيعية.
تراجع إقبال العملاء
في المقابل، يرى محمود السيد، سمسار عقاري «بروكر»، أن إقبال العملاء على المعرض شهد تراجعًا خلال الأعوام الأخيرة، بالتزامن مع ارتفاع الأسعار وتباطؤ حركة المبيعات.
وقال إن بعض الشركات كانت تشارك في المعارض ليس بهدف تحقيق مبيعات مباشرة فقط، وإنما للحفاظ على حضورها في السوق وتعزيز صورتها الذهنية أمام العملاء.
وأضاف لـ«تليجراف مصر» أن بعض الوسطاء العقاريين كانوا يعتمدون على المعرض لتحقيق المستهدف البيعي، إلا أن تحقيق هذه المستهدفات أصبح أكثر صعوبة خلال السنوات الأخيرة مع عدم استقرار السوق، فضلًا عن رواج سوق إعادة البيع «الريسيل»، وهو ما لا يتوفر في المعرض.
الطلب لم يختفِ.. لكنه أصبح أكثر انتقائية
ويأتي إلغاء المعرض في وقت تمر فيه السوق العقارية المصرية بمرحلة يمكن وصفها بـ«تصحيح المسار»، بعد سنوات من تسجيل طفرات كبيرة في المبيعات، مع تراجع وتيرة الطلب في أجزاء من القاهرة الكبرى وارتفاع الأصوات المطالبة بضوابط تنظيمية أكثر صرامة للحفاظ على استدامة النمو واستعادة ثقة المستثمرين والعملاء.
ورغم ارتفاع حجم المعروض، تشير بيانات منصة عقارية إلى استمرار وجود طلب، خصوصًا على الوحدات الأقل سعرًا.
وسجلت الوحدات التي تقل قيمتها عن 3 ملايين جنيه متوسطًا بلغ 9.5 طلب شراء لكل وحدة، مقابل 1.6 طلب شراء لكل وحدة للعقارات التي تتجاوز قيمتها 20 مليون جنيه.
وبلغ إجمالي طلبات الشراء المسجلة على المنصة 31.992 ألف طلب، تقدم بها نحو 17.3 ألف مشترٍ مختلف، فيما تلقت إحدى الوحدات وحدها 141 طلب شراء، بينما حصلت 382 وحدة على أكثر من 10 طلبات لكل منها.
ولا يقتصر الطلب على المشترين داخل مصر، إذ تمثل الطلبات القادمة من مشترين يستخدمون أرقام هواتف خليجية نحو 12% من إجمالي المشترين.
وبذلك، لا تبدو أزمة «سيتي سكيب مصر» مرتبطة باختفاء الطلب العقاري بقدر ارتباطها بتغير طريقة الوصول إليه، وحسابات المطورين بشأن تكلفة التسويق والعائد المتوقع من المشاركة في المعارض، في سوق أصبح فيها البيع المباشر والمنصات الرقمية واستهداف العملاء في الخارج جزءًا أكبر من خطط الشركات.
