×

أزمة نقص الدواء تعود للواجهة في مصر.. ماذا يحدث في السوق؟

الأربعاء 9 سبتمبر 2026 03:04 مـ 26 ربيع أول 1448 هـ
الدواء
الدواء

أبدى المركز المصري للحق في الدواء قلقه من أوضاع سوق الدواء في مصر، محذرًا من تداعيات استمرار اضطرابات الإمدادات على قدرة المرضى على الحصول على المستحضرات التي يحتاجون إليها في الوقت والمكان المناسبين، بالتزامن مع اقتراب فصل الشتاء الذي يشهد عادة زيادة الطلب على عدد من الأدوية المرتبطة بأمراض الجهاز التنفسي وغيرها.

وأكد المركز أن الحق في الدواء لا ينبغي التعامل معه باعتباره قضية تجارية أو مرتبطة بالأسعار فقط، وإنما باعتباره حقًا صحيًا وإنسانيًا يضمن للمريض الحصول على العلاج المناسب بصورة آمنة وسريعة وبتكلفة تتناسب مع الظروف الاقتصادية.

تحذيرات من تكرار أزمات نقص الأدوية

وأشار المركز إلى أن سوق الدواء المصري شهد خلال السنوات الأخيرة أزمات مرتبطة بنقص بعض المستحضرات، موضحًا أن أزمة عام 2023 شهدت تدخلات سعرية واسعة بهدف إعادة توفير عدد كبير من الأصناف.

ويرى المركز أن الاعتماد بصورة متكررة على تحريك أسعار الأدوية لمعالجة نقص المعروض لا يكفي لعلاج جذور المشكلة، داعيًا إلى تبني سياسة دوائية طويلة الأجل تأخذ في الاعتبار الزيادة السكانية، وخريطة الأمراض في مصر، واحتياجات منظومة التأمين الصحي، خاصة مع التوسع في تطبيق نظام التأمين الصحي الشامل.

وأوضح أن أزمة الدواء لا ترتبط بالسعر وحده، وإنما تشمل كذلك استمرارية الإنتاج والاستيراد، وتوفير المواد الخام، والتمويل، وسلاسل التوزيع، إلى جانب القدرة على التنبؤ مبكرًا بالأصناف التي قد تواجه نقصًا.

422 مليار جنيه حجم سوق الدواء في 2025

وتأتي هذه المخاوف في وقت تشهد فيه صناعة الدواء المصرية نموًا ملحوظًا وفق البيانات الرسمية المعلنة.

وبحسب أحدث بيانات هيئة الدواء المصرية، بلغ حجم سوق الدواء في مصر خلال عام 2025 نحو 4 مليارات عبوة بقيمة 422 مليار جنيه، مسجلًا نموًا قدره 37% من حيث القيمة مقارنة بعام 2024.

كما تقدمت مصر إلى المرتبة السادسة والعشرين عالميًا من حيث حجم سوق المستحضرات الدوائية خلال العام الماضي.

وعلى مستوى التصدير، بلغت صادرات المستحضرات الدوائية المصرية نحو 1.3 مليار دولار خلال 2025، مع استهداف رفعها إلى ما يتراوح بين 1.6 و1.7 مليار دولار خلال 2026، والوصول إلى 3 مليارات دولار بحلول عام 2030.

وتكشف هذه الأرقام عن تحدٍ مزدوج؛ فمصر تمتلك سوقًا دوائيًا ضخمًا وقاعدة صناعية واسعة، لكن الاختبار الحقيقي يظل في ضمان استمرارية إتاحة المستحضرات التي يحتاج إليها المرضى، خصوصًا الأدوية الحيوية والأصناف التي لا تتوافر لها بدائل علاجية مناسبة.

شكاوى بشأن نقص أدوية الأورام والأنسولين

وقال المركز المصري للحق في الدواء إنه رصد منذ يوليو الماضي شكاوى من مواطنين وصيادلة بشأن نقص عدد من المستحضرات.

وأوضح أن الشكاوى التي تلقاها شملت، بحسب رصده، أصنافًا مرتبطة بعلاج أمراض الدم والأورام، والأنسولين، وأمراض القلب والعظام، والأمراض المناعية، والهرمونات، إلى جانب أدوية الأمراض النفسية والعصبية.

كما تضمنت الشكاوى بعض المستحضرات المستخدمة قبل وبعد عمليات زراعة الأعضاء، وأدوية مرتبطة بجلسات علاج الأورام، فضلًا عن أدوية شائعة الاستخدام لعلاج نزلات البرد والسعال وبعض أمراض الجهاز الهضمي والتنفسي.

وشدد المركز على أن هذه القائمة تمثل الأصناف التي تلقى بشأنها شكاوى وفق رصده، ولا تعني بالضرورة أن جميع المستحضرات المذكورة غير متوافرة بصورة مطلقة أو تعاني نقصًا في جميع أنحاء الجمهورية.

الأدوية الحيوية تثير مخاوف أكبر

تزداد حساسية أزمة النقص عندما يتعلق الأمر بأدوية حيوية لا يستطيع المريض تأجيل الحصول عليها أو البحث طويلًا عن بديل لها.

وأشار المركز إلى أن الشكاوى شملت بعض أدوية العلاج الكيماوي ومستحضرات مرتبطة بأورام الرئة والبروستاتا، بالإضافة إلى بعض أنواع الأنسولين وأدوية القلب والغدة الدرقية والهرمونات.

كما تضمنت الشكاوى مستحضرات تستخدم في جلسات الغسيل الكلوي، وهي أدوية ترتبط بعلاجات دورية يعتمد عليها المرضى بصورة منتظمة.

ويفرض هذا النوع من المستحضرات أهمية خاصة على سرعة اكتشاف أي نقص ومعالجته قبل تحوله إلى أزمة تؤثر في انتظام العلاج.

«البراند والبديل».. من يقرر تغيير الدواء؟

ومن بين الملفات التي أثارها المركز أيضًا مسألة التمييز بين الدواء الأصلي والمثيل والبديل، مشيرًا إلى أن كثيرًا من المرضى قد لا يمتلكون المعرفة الدوائية اللازمة لاتخاذ قرار تغيير المستحضر بأنفسهم.

وأكد المركز أهمية أن يتم أي تغيير أو استبدال للعلاج تحت إشراف الطبيب أو الصيدلي، وعدم لجوء المريض إلى استبدال الدواء من تلقاء نفسه، خصوصًا في حالات الأمراض المزمنة أو المستحضرات الحيوية.

أزمة الدواء لا تقتصر على الصيدليات

ولا ترتبط مشكلة إتاحة الدواء بسوق الصيدليات فقط، إذ تمتد أيضًا إلى المستشفيات الحكومية والجامعية ومنظومة التأمين الصحي.

وفي هذا السياق، برز خلال الفترة الماضية ملف المستحقات المالية للشركات والموردين لدى هيئة الشراء الموحد، بعد تقارير تحدثت خلال عام 2025 عن مديونيات تقدر بنحو 42 مليار جنيه.

لكن الملف شهد تطورات لاحقة، إذ أعلنت هيئة الشراء الموحد في أبريل 2026 التزامها بسداد مستحقات شركات الأدوية والموردين خلال مدة لا تتجاوز 120 يومًا، مؤكدة عدم وجود مديونيات متأخرة تتجاوز هذه المدة منذ بداية العام المالي 2025/2026.

وتشير هذه التطورات إلى وجود إجراءات لمعالجة الاختناقات المالية، إلا أن انتظام السداد والتوريد يظل عنصرًا مهمًا في ضمان استقرار إمدادات الأدوية داخل المنشآت الصحية.

لماذا لا تكفي زيادة أسعار الأدوية؟

ويرى المركز المصري للحق في الدواء أن تحريك الأسعار قد يساعد الشركات في مواجهة ارتفاع تكاليف الإنتاج، لكنه لا يمثل بمفرده سياسة دوائية متكاملة.

وتواجه صناعة الدواء ارتفاعًا في تكاليف الطاقة والنقل والخامات والخدمات، وهو ما يزيد الضغوط على الشركات، لكن معالجة الأزمة من منظور المريض تتطلب بالتوازي ضمان استمرار الإنتاج، وتوفير المواد الخام، وإدارة المخزون الاستراتيجي، وتحسين سلاسل التوزيع، والتنبؤ بالأصناف المهددة بالنقص.

وكان وزير الصحة والسكان خالد عبدالغفار قد أكد في يوليو 2026 أن تسعير الدواء قضية أمن قومي، مشددًا على أهمية تحقيق التوازن بين توفير الدواء للمواطن بأسعار مناسبة، ودعم الصناعة الوطنية، وزيادة قدرتها على التصدير.

هيئة الدواء توفر أدوات لمتابعة توافر المستحضرات

وفي المقابل، توفر هيئة الدواء المصرية عددًا من الأدوات والخدمات المتعلقة بمتابعة سوق الدواء، من بينها قوائم للمستحضرات الأساسية والأدوية عالية الخطورة، وقوائم للمستحضرات المثيلة، إلى جانب خدمات إلكترونية للاستفسار عن توافر بعض المستحضرات.

كما توفر الهيئة قنوات للإبلاغ عن المخالفات المتعلقة بالمستحضرات والمنشآت الصيدلية.

وتستهدف استراتيجية الهيئة حتى عام 2030 دعم نمو سوق الدواء، وتعميق توطين الصناعة، وزيادة الصادرات، إلى جانب التوسع في التحول الرقمي وتطوير منظومة التتبع الدوائي.

أكثر من 10 آلاف مستحضر في السوق

وأثار المركز أيضًا قضية اتساع عدد المستحضرات المسجلة والمتداولة في السوق المصرية، في ظل ما يفرضه ذلك من تحديات تتعلق بإدارة السوق وتوفير المواد الخام والعملة الأجنبية واستقرار سلاسل الإمداد.

وبحسب البيانات الرسمية، ارتفع عدد المستحضرات المتداولة في السوق إلى أكثر من 10 آلاف مستحضر، بالتزامن مع التوسع في إنتاج الأدوية النادرة والمستحضرات الحيوية.

ولا يعني ارتفاع عدد المستحضرات بالضرورة وجود أزمة، إذ تظل الأهمية في قدرة المنظومة على تحديد الأدوية الأساسية وضمان توافر مخزون كافٍ منها، إلى جانب وجود بدائل علاجية مناسبة عند الحاجة.

توطين صناعة الدواء.. رهان على تقليل مخاطر الاستيراد

وتتزامن هذه التحديات مع تحركات الدولة لتوطين صناعة الدواء وزيادة القدرات الإنتاجية المحلية، بهدف تقليل الاعتماد على الاستيراد وتعزيز مفهوم الأمن الدوائي.

وتراهن الحكومة على التوسع في تصنيع الأدوية الحيوية والنادرة محليًا، بما يسهم في تقليل تأثر السوق المصرية باضطرابات سلاسل الإمداد العالمية.

كما تستهدف الدولة من خلال زيادة التصنيع المحلي دعم قدرة مصر على التصدير وفتح أسواق خارجية جديدة أمام المنتجات الدوائية المصرية.

اقتراب الشتاء يرفع أهمية الاستعداد المبكر

ومع اقتراب فصل الشتاء، تزداد أهمية الاستعداد المبكر لأي اختناقات محتملة في إمدادات الأدوية، خاصة المستحضرات المرتبطة بأمراض الجهاز التنفسي، إلى جانب أدوية الأمراض المزمنة والأدوية الحيوية.

ويطالب المركز المصري للحق في الدواء بزيادة الشفافية بشأن الأصناف التي تواجه نقصًا، ووضع آليات واضحة وسريعة للتعامل معها، وتعزيز المخزون الاستراتيجي، بما يمنع تحول النقص المحدود في بعض المستحضرات إلى أزمة أوسع.

وفي النهاية، فإن الحق في الدواء لا يقاس فقط بعدد المصانع أو حجم السوق أو قيمة الإنتاج والتصدير، وإنما بقدرة المريض على الوصول إلى العلاج الذي يحتاج إليه، في المكان والوقت المناسبين، وبسعر لا يحول دون حصوله عليه.

وبينما تعكس مؤشرات السوق نموًا واضحًا في الصناعة الدوائية المصرية، يبقى التحدي الأهم أمام المنظومة هو تحويل هذا النمو إلى إتاحة مستقرة وعادلة للأدوية داخل الصيدليات والمستشفيات، خاصة بالنسبة إلى مرضى الأورام والأمراض المزمنة والمستحضرات الحيوية، بما يضمن ألا تتحول مشكلات التوريد أو التسعير إلى عائق أمام حصول المرضى على العلاج.