من يسيطر على القطن المصري؟.. خريطة المنافسة في سوق الغزل والنسيج
أثارت شكوى صاحب شركة قطن ملوك النيل ضد عدد من الشركات، تساؤلات حول طبيعة المنافسة داخل سوق الملابس والمنتجات القطنية في مصر، في وقت يشهد قطاع الغزل والنسيج توسعًا في الاستثمارات المحلية والأجنبية، مع حضور لافت لشركات مصرية وسورية وتركية تعمل في مراحل مختلفة من الصناعة.
وبحسب ما نشره صاحب "قطن ملوك النيل"، فقد اتهم 3 شركات كبرى بمحاولة التضييق على شركته وإخراجها من السوق، مشيرًا إلى أن بعض منافذ البيع والفروع التابعة له تعرضت، وفق روايته، لضغوط ومحاولات لإغلاقها وإزالة اللافتات الخاصة بالشركة.
وتواصل الجهات المختصة فحص الشكوى للوقوف على حقيقة الوقائع الواردة فيها واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، فيما لم تُعلن أسماء الشركات التي اتهمها صاحب "قطن ملوك النيل".
اتهامات بالضغط على منافذ البيع
قال صاحب "قطن ملوك النيل"، في منشور على الصفحة الرسمية للشركة، إن شركته تأسست بهدف دعم الصناعة المحلية والمساهمة في استعادة مكانة القطن المصري، إلى جانب توفير فرص عمل وإنتاج ملابس ومنتجات قطنية مصرية قادرة على المنافسة.
وأوضح، في منشورات ومقاطع صوتية نشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أن الشركة واجهت ما وصفه بـ"المنافسة غير الشريفة"، متحدثًا عن وقائع قال إنها تضمنت ضغوطًا على بعض منافذ البيع التابعة للشركة.
قطن ملوك النيل
وأضاف أن لديه تسجيلات صوتية ومصورة توثق جانبًا من الوقائع التي تحدث عنها، وأن الشركة بدأت اتخاذ إجراءات قانونية، كما أعلن عدم نشر أسماء الشركات التي يتهمها في الوقت الحالي، موضحًا أن الأسماء حُذفت من الفيديو المنشور، حفاظًا على سمعة الشركات وعدم الإضرار بأي طرف قبل انتهاء التحقيقات والوصول إلى الحقيقة الكاملة من الناحية القانونية.
ولفت إلى أنه في حال عدم استيفاء حقوق الشركة عبر المسار القانوني، فقد يتم نشر التسجيلات متضمنة أسماء الشركات، مؤكدًا تمسكه بالاحتكام إلى مؤسسات الدولة والقانون.
مؤسسة حماية المستهلك تدخل على خط الأزمة
وفي تطور مرتبط بالواقعة، أعلنت المؤسسة المصرية للتنمية وحماية المستهلك متابعتها لما قالت إنها نتائج التحقيقات والتحريات الأمنية بشأن الشكوى المقدمة من مالك «قطن ملوك النيل».
وقالت المؤسسة إن الشكوى تضمنت تعرض صاحب الشركة لمحاولات ابتزاز وتهديد، من بينها تهديدات بتشويه السمعة، وربطت ذلك، وفق ما ورد في بيانها، بمحاولات لإجباره على عدم طرح منتجاته بأسعار مخفضة للمواطنين.
وأكدت المؤسسة رفضها لما وصفته بالممارسات الاحتكارية والإضرار بالمنافسة، مطالبة بتطبيق القانون على كل من يثبت تورطه في ممارسات غير قانونية.
لكن حتى الآن تظل الوقائع المتعلقة بالشركات الثلاث في نطاق الاتهامات والشكوى محل الفحص، ولا توجد في المعلومات المنشورة التي أمكن التحقق منها أسماء معلنة لهذه الشركات أو نتيجة نهائية للتحقيقات تثبت مسؤوليتها عن الوقائع.
لماذا أصبحت المنافسة في القطن أكثر تعقيدًا؟
لفهم خلفية الأزمة، لا بد من النظر إلى سوق القطن والنسيج باعتباره سلسلة صناعية متكاملة، تبدأ من القطن الخام، ثم الحليج والغزل، مرورًا بالنسيج والصباغة وتجهيز الأقمشة، وصولًا إلى تصنيع الملابس والمنتجات النهائية وبيعها للمستهلك.
وهذه السلسلة تضم شركات تعمل في مرحلة واحدة أو أكثر، ما يجعل السوق مفتوحة أمام نماذج مختلفة من الاستثمار، بينها شركات مصرية، ومستثمرون سوريون، وشركات تركية لديها وجود صناعي في مصر.
وبالتالي فإن المنافسة لا تدور فقط بين العلامات التجارية أمام المستهلك، وإنما تمتد إلى الإنتاج والتوريد والتصنيع والتوزيع ومنافذ البيع.
وتكشف بيانات حديثة عن نشاط واسع للشركات العاملة في تجارة وتصدير القطن، مع تفاوت كبير في حصص الشركات خلال الموسم التصديري 2025-2026.
ووفق أحدث البيانات المنشورة عن اتحاد مصدري القطن، تصدرت «أبو مضاوي» القائمة بنحو 17.7 ألف طن، تلتها «مصر لحليج الأقطان» بنحو 13.5 ألف طن، ثم «الإخلاص» بنحو 8 آلاف طن، و«النيل الحديثة للأقطان» بنحو 6.3 ألف طن، و«ألكان» بنحو 5.2 ألف طن حتى 15 أغسطس 2026.
الاستثمارات السورية في قطاع النسيج
ولا يمكن قراءة خريطة المنافسة في قطاع القطن والغزل والنسيج في مصر بمعزل عن الحضور السوري، الذي تجاوز خلال السنوات الماضية نشاط التجارة إلى تأسيس كيانات صناعية كبيرة تعمل في الغزل والنسيج والملابس الجاهزة والمنتجات القطنية.
ويأتي اسم "قطونيل" في مقدمة النماذج البارزة، إذ أسس رجل الأعمال السوري باسل سماقية الشركة في مصر عام 1999، لتتحول لاحقًا إلى واحدة من أبرز العلامات العاملة في الملابس الداخلية والمنتجات القطنية بالسوق المصرية.
الاستثمارات السورية في قطاع النسيج
وتملك "قطونيل" قاعدة صناعية ومنافذ بيع واسعة في مصر، وتشير بيانات منشورة إلى وجود مصانع لها في مناطق جسر السويس والعاشر من رمضان والخانكة، فيما سبق أن تحدثت الشركة عن توسعات في شبكة فروعها ومصانعها.
واللافت أن قصة "قطونيل" نفسها ترتبط بتاريخ أقدم لعائلة سماقية في صناعة الغزل والنسيج؛ إذ كشف باسل سماقية في حديث خلال فبراير 2026 أن عائلته كانت تمتلك مصانع للغزل والنسيج في حلب، وأن والده بدأ في السبعينيات إنشاء مصانع في مصر بسبب وجود قاعدة من العملاء، تحت اسم «سما تكس» المتخصصة في غزل الخيوط.
ولا يتوقف الحضور السوري عند "قطونيل"، إذ يمثل محمد كامل صباغ شرباتي نموذجًا آخر للاستثمار السوري الصناعي في قطاع الغزل والنسيج، من خلال «الشركة الرباعية للغزل والنسيج والصباغة» في مدينة السادات، التي تعد من الاستثمارات السورية البارزة في الصناعة النسيجية المصرية.
كما يظهر اسم "سماقية إخوان – الإمبراطور" ضمن الشركات العاملة في الملابس القطنية؛ وهي تجربة ارتبطت بعائلة سماقية بعد انفصال باسل سماقية عن والده وشقيقه وتأسيسه «قطونيل»، بينما اتجه والده وشقيقه إلى تأسيس "الإمبراطور". وتظهر الشركة ضمن دليل معرض القاهرة الدولي في قطاع الملابس القطنية.
الاستثمارات التركية في قطاع النسيج
في المقابل لم يقتصر الحضور التركي في قطاع الغزل والنسيج المصري على التجارة أو استيراد المنتجات، وإنما امتد إلى إنشاء مصانع وخطوط إنتاج تستهدف السوق المحلية والتصدير.
ويبرز اسم Eroğlu Global Holding ضمن أكبر التجارب التركية في هذا القطاع، إذ أنشأت المجموعة مصنعًا للملابس الجاهزة في منطقة القنطرة غرب الصناعية باستثمارات معلنة تبلغ نحو 40 مليون دولار، مع استهداف تشغيل نحو 2750 عاملًا، وتوجيه جانب كبير من الإنتاج إلى الأسواق الخارجية. كما بدأت شركة «EG» التابعة للمجموعة عملياتها في مصر خلال عام 2025 لتصنيع الملابس لصالح علامات تجارية عالمية.
الاستثمارات التركية في قطاع النسيج
ولا تتوقف توسعات المجموعة عند هذا المشروع، إذ أعلنت شركة Eroğlu Moda Tekstil في يناير 2026 إنشاء مصنع جديد للملابس الجاهزة في منطقة القنطرة غرب باستثمارات تبلغ 5.6 مليون دولار، مع استهداف تصدير نحو 95% من الإنتاج.
وفي يوليو 2025، دخلت شركة Bony Textile التركية مرحلة جديدة من التوسع في السوق المصرية، بعد توقيع اتفاق لإقامة مصنع متكامل للمنسوجات في مدينة العاشر من رمضان باستثمارات تقدر بنحو 100 مليون دولار، على مساحة 120 ألف متر مربع. ويستهدف المشروع إنشاء سلسلة إنتاج تبدأ من الغزل وصولًا إلى الأقمشة والمنتجات النسيجية، مع توجيه الإنتاج إلى الأسواق الأوروبية والأفريقية.
وتشير بيانات منشورة إلى أن عدد المصانع التركية العاملة في قطاع المنسوجات والملابس في مصر تجاوز 200 مصنع، فيما وصل عدد الشركات التركية المستثمرة في مصر إلى نحو 1700 شركة، بإجمالي استثمارات يتجاوز 3 مليارات دولار، ما يعكس اتساع الوجود الصناعي التركي في السوق المصرية.
