مصر والصين بعد 70 عامًا.. كيف أصبحت القاهرة بوابة بكين إلى الشرق الأوسط وأفريقيا؟
تستعد العلاقات المصرية الصينية لمرحلة جديدة من التعاون، بالتزامن مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبكين، في وقت تتزايد فيه أهمية مصر على خريطة الاقتصاد والسياسة الدولية، باعتبارها دولة محورية في الشرق الأوسط وأفريقيا وتمتلك موقعًا استراتيجيًا يربط بين آسيا وأوروبا والقارة الأفريقية.
بداية تاريخية للعلاقات المصرية الصينية
تعود العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين إلى عام 1956، عندما اعترفت القاهرة بجمهورية الصين الشعبية في 30 مايو من العام نفسه، لتصبح مصر أول دولة عربية وأفريقية، والدولة الثالثة والعشرين عالميًا التي تعترف بالحكومة الصينية.
ومنذ ذلك التاريخ، تطورت العلاقات بين البلدين بصورة تدريجية، وانتقلت من التعاون الدبلوماسي والسياسي إلى شراكة متعددة المجالات، وصولًا إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2014، خلال الزيارة الأولى للرئيس عبدالفتاح السيسي إلى الصين في ديسمبر من العام نفسه.
وشهدت السنوات الأخيرة زيارات رئاسية متبادلة، كان من أبرزها زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى الصين في مايو 2024، والتي شارك خلالها الرئيس المصري ضيف شرف في الجلسة الافتتاحية لاجتماع منتدى التعاون العربي الصيني.
شراكة تتجاوز السياسة
لم تعد العلاقات المصرية الصينية تقتصر على الملفات السياسية والدبلوماسية، وإنما امتدت إلى الاقتصاد والاستثمار والتجارة والطاقة والنقل والبنية التحتية والتعليم والتكنولوجيا.
ويعكس هذا التوسع رغبة البلدين في تحويل العلاقات السياسية القوية إلى مصالح اقتصادية واستثمارية طويلة الأجل، خاصة في ظل ما تمتلكه الصين من قدرات صناعية وتكنولوجية وتمويلية، وما تمتلكه مصر من موقع جغرافي وسوق كبيرة وشبكة علاقات إقليمية ودولية واسعة.
مصر في الحسابات الصينية
تكتسب مصر أهمية خاصة في الاستراتيجية الصينية بسبب موقعها الذي يجعلها نقطة اتصال بين ثلاث دوائر رئيسية هي آسيا وأوروبا وأفريقيا.
كما تمثل قناة السويس عنصرًا استراتيجيًا مهمًا، باعتبارها أحد أهم الممرات البحرية العالمية، وهو ما يجعل مصر شريكًا مهمًا بالنسبة للصين، التي تعتمد بصورة كبيرة على التجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية.
وتزداد أهمية مصر بالنسبة للشركات الصينية الراغبة في الوصول إلى الأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية، خاصة مع وجود المنطقة الاقتصادية لقناة السويس التي توفر فرصًا للتصنيع والتصدير والخدمات اللوجستية.
الصين وقوة الاقتصاد العالمي
وتستند الشراكة إلى تفاوت واضح في القدرات الاقتصادية، إذ تجاوز الناتج المحلي الإجمالي للصين نحو 19.5 تريليون دولار خلال 2025، مع تسجيل نمو اقتصادي بلغ نحو 5%.
كما وصلت الصادرات الصينية خلال العام نفسه إلى نحو 3.7 تريليون دولار، مقابل واردات بلغت حوالي 2.4 تريليون دولار، فيما سجل الاقتصاد الصيني نموًا بنحو 4.7% خلال النصف الأول من 2026.
وبلغت الاستثمارات الصينية الخارجية المباشرة نحو 174 مليار دولار خلال 2025، ما يعكس استمرار توجه الشركات الصينية للتوسع في الأسواق الخارجية.
242 اتفاقية تؤسس لمرحلة جديدة
وتستند العلاقات بين القاهرة وبكين إلى شبكة واسعة من الاتفاقيات، حيث وصل عدد الاتفاقيات الموقعة بين البلدين إلى نحو 242 اتفاقية حتى عام 2025.
وتغطي هذه الاتفاقيات مجالات متعددة، بما يوفر أساسًا مؤسسيًا وقانونيًا للتعاون في قطاعات جديدة، من بينها التكنولوجيا والطاقة المتجددة والصناعة والنقل والاستثمار.
شراكة مرشحة للتوسع
مع مرور سبعة عقود على العلاقات الدبلوماسية، تبدو القاهرة وبكين أمام فرصة للانتقال بالعلاقات إلى مستوى أكثر عمقًا، يقوم على التصنيع المشترك ونقل التكنولوجيا وزيادة الصادرات وتوطين الصناعة.
وبالنسبة لمصر، تمثل الصين شريكًا اقتصاديًا كبيرًا يمكن أن يدعم خطط التنمية، بينما ترى بكين في القاهرة بوابة مهمة للأسواق العربية والأفريقية والأوروبية.
وبذلك لم تعد العلاقات المصرية الصينية مجرد علاقات دبلوماسية أو تجارية، وإنما تحولت إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، مرشحة لمزيد من التوسع خلال السنوات المقبلة.
