×

الاحترار العالمي يتحول إلى «وضع طبيعي جديد».. معلومات الوزراء يكشف مخاطر ارتفاع الحرارة

الأربعاء 26 أغسطس 2026 03:52 مـ 12 ربيع أول 1448 هـ
ارتفاع درجات الحرارة
ارتفاع درجات الحرارة

أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء تحليلًا جديدًا حول مخاطر الاحترار العالمي والفرص الاقتصادية المرتبطة بالتكيف مع ارتفاع درجات الحرارة، مؤكدًا أن الارتفاع القياسي في درجات الحرارة لم يعد ظاهرة استثنائية أو مؤقتة، وإنما يتجه تدريجيًا إلى التحول نحو ما يمكن وصفه بـ«الوضع الطبيعي الجديد».

وأوضح التحليل أن ارتفاع درجات الحرارة أصبح عاملًا اقتصاديًا متزايد التأثير في مواقع الأنشطة والاستثمارات، وتكاليف الإنتاج، وكفاءة البنية الأساسية، وسلاسل الإمداد، وقدرة الدول والشركات على المنافسة، بالتزامن مع تصاعد المخاطر الصحية والبيئية المرتبطة بموجات الحر.

الاحترار العالمي يفرض تحديات اقتصادية متزايدة

وأشار مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار إلى أن تصاعد مخاطر الحرارة يدفع الشركات والمستثمرين إلى إعادة تقييم مواقع استثماراتهم وسلاسل إمدادهم، في ظل احتمالات تعرض البنية الأساسية للأضرار، وتعطل الإنتاج، وتراجع إنتاجية العمال، وارتفاع تكاليف الطاقة والمياه والتبريد.

وفي المقابل، يؤدي ارتفاع المخاطر المناخية إلى ظهور ما يُعرف بـ«اقتصاد التكيف»، الذي يفتح مجالات استثمارية جديدة في التبريد المستدام، والمباني المقاومة للحرارة، وإدارة المياه، والزراعة الذكية مناخيًا، والتكنولوجيا الصحية، والبنية الأساسية المقاومة للمناخ، والتقنيات المناخية والتمويل المستدام.

ارتفاع درجات الحرارة يهدد الأمن الغذائي

وكشف التحليل أن ارتفاع درجات الحرارة يمثل ضغطًا متزايدًا على الأمن الغذائي، إذ يمكن أن يؤدي ارتفاع الحرارة بنحو درجة مئوية واحدة فوق المستويات الملائمة إلى انخفاض إنتاجية بعض المحاصيل الرئيسية، ومن بينها الذرة والقمح، بنسب تتراوح تقريبًا بين 4% و10%، فضلًا عن زيادة احتياجاتها من المياه.

كما يؤثر الإجهاد الحراري على إنتاجية الماشية والدواجن، من خلال التأثير في معدلات النمو وإنتاج اللحوم والألبان والبيض، بينما تهدد موجات الحر البحرية النظم البيئية والثروة السمكية.

وأشار التحليل إلى أن نحو 91% من مساحة محيطات العالم شهدت موجة حر بحرية واحدة على الأقل خلال عام 2024، بما يعكس اتساع نطاق التأثيرات المناخية على الموارد الطبيعية والإنتاج الغذائي.

موجات الحر تضغط على البنية الأساسية وسلاسل الإمداد

وأوضح مركز المعلومات أن تغير درجات حرارة مياه البحار والتيارات والرياح يمكن أن يؤثر في كفاءة الملاحة واستهلاك الوقود، في الوقت الذي تزيد فيه الظواهر الجوية المتطرفة من المخاطر التي تواجه المواني وعمليات الشحن.

وأشار إلى ما شهدته قناة بنما منذ أواخر نوفمبر 2023 من خفض عمليات عبور السفن اليومية نتيجة الجفاف الشديد، مؤكدًا أن ارتفاع درجات الحرارة يفرض كذلك ضغوطًا متزايدة على الأصول الصناعية والبنية الأساسية التي قد تتعرض لدرجات حرارة تتجاوز الحدود التي صُممت للعمل في إطارها.

خسائر صحية واقتصادية بسبب ارتفاع الحرارة

وتحولت الحرارة المرتفعة إلى مصدر متزايد للمخاطر الصحية والاقتصادية، حيث أشار التحليل إلى ارتفاع الوفيات المرتبطة بالموجات الحارة بنسبة 23% منذ تسعينيات القرن الماضي، ليصل متوسط الوفيات الناجمة عن الحرارة إلى نحو 546 ألف حالة سنويًا.

كما بلغت الخسائر الاقتصادية السنوية المرتبطة بالوفيات الناتجة عن التعرض للحرارة بين الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 65 عامًا نحو 261 مليار دولار في المتوسط خلال الفترة من 2020 إلى 2024.

ارتفاع الحرارة يهدد قطاع الطاقة

وأشار التحليل إلى أن موجات الحر تؤدي إلى زيادة الطلب على الكهرباء، خاصة بسبب ارتفاع استخدام أجهزة التبريد، بالتزامن مع احتمالات تراجع كفاءة محطات توليد الكهرباء وشبكات النقل نتيجة درجات الحرارة المرتفعة.

ولفت إلى أن موجة الحر والانخفاض الحاد في منسوب نهر الدانوب بأوروبا خلال صيف 2026 تسببا في اضطرابات بتشغيل عدد من محطات الطاقة التي تعتمد على مياه النهر في عمليات التبريد.

الظواهر الجوية المتطرفة تكبد الاقتصاد مليارات الدولارات

وبحسب التحليل، بلغت الخسائر الاقتصادية العالمية الناتجة عن الظواهر الجوية المتطرفة نحو 304 مليارات دولار خلال عام 2024، بما يعادل نحو 0.27% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وبزيادة قدرها 58.9% مقارنة بالمتوسط السنوي خلال الفترة من 2010 إلى 2014.

ولم تكن نحو 55.7% من هذه الخسائر مغطاة بالتأمين، ما يعني تحمل الأسر والشركات والحكومات جانبًا كبيرًا من التكلفة.

وخلال النصف الأول من عام 2026، بلغت خسائر الكوارث الطبيعية نحو 112 مليار دولار، بينما لم يغط التأمين سوى نحو 44 مليار دولار منها.

الحرارة تخفض إنتاجية العمل عالميًا

وأوضح مركز المعلومات أن ارتفاع درجات الحرارة ينعكس كذلك على سوق العمل والإنتاجية، مشيرًا إلى أن العالم فقد خلال عام 2024 نحو 640 مليار ساعة عمل محتملة بسبب الحرارة، بزيادة قدرها 98.1% مقارنة بمتوسط الفترة من 1990 إلى 1999.

كما أشارت دراسة «حرارة شديدة على النمو» الصادرة عن Allianz Research في مايو 2026 إلى أن التأثير الاقتصادي لارتفاع الحرارة يتزايد بصورة حادة عند تجاوز درجات الحرارة مستوى 30 درجة مئوية.

ووفقًا للدراسة، يمكن لكل زيادة إضافية بمقدار درجة مئوية أن تؤدي إلى خفض إنتاجية العمل بنحو 3% من متوسط الإنتاج العالمي في الساعة، بالتزامن مع زيادة الطلب على الطاقة بنحو 1.2%.

«اقتصاد التكيف» يفتح فرصًا استثمارية جديدة

وأكد مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار أن ارتفاع مخاطر الحرارة لا يعني زيادة الخسائر فقط، وإنما يؤدي في الوقت نفسه إلى توسع أسواق مرتبطة بالتكيف المناخي، بما يخلق فرصًا استثمارية جديدة أمام الدول والشركات.

ويأتي التبريد المستدام في مقدمة هذه المجالات، حيث تشير التقديرات إلى إمكانية تجاوز القدرة المركبة لمعدات التبريد ثلاثة أمثالها بحلول عام 2050 إذا استمر المسار الحالي.

وفي المقابل، يمكن لمسار التبريد المستدام خفض انبعاثات التبريد بنحو 64% بحلول عام 2050، إلى جانب توفير ما يصل إلى 43 تريليون دولار من تكاليف الكهرباء والبنية الأساسية التي يمكن تجنبها.

المباني الخضراء تواجه ارتفاع درجات الحرارة

تشمل فرص التكيف أيضًا التوسع في المباني المقاومة للحرارة، من خلال التصميم المناخي، والتبريد السلبي، وكفاءة الطاقة، والأسطح العاكسة، وتقنيات التبريد الذكية.

وبلغت قيمة سوق مواد البناء الخضراء عالميًا نحو 285.9 مليار دولار خلال عام 2024، مع توقعات بارتفاعها إلى نحو 458.6 مليار دولار بحلول عام 2030.

كما بلغت قيمة سوق الطلاءات الحرارية العاكسة نحو 1.76 مليار دولار خلال عام 2025، مع توقعات بوصولها إلى 3.49 مليارات دولار بحلول عام 2033.

الزراعة الذكية وإدارة المياه

وأشار التحليل إلى أن ارتفاع درجات الحرارة وتزايد مخاطر الجفاف يدفعان إلى التوسع في الزراعة الذكية مناخيًا، بما يشمل استخدام أصناف المحاصيل المقاومة للحرارة والجفاف، وتطوير أنظمة الري، وتحسين إدارة الموارد المائية.

وبلغ حجم سوق الزراعة المستدامة عالميًا نحو 40.8 مليار دولار في عام 2025، مع توقعات بنموه إلى نحو 97.2 مليار دولار بحلول عام 2034.

فرص جديدة في النقل والخدمات اللوجستية

كما يفتح التكيف المناخي المجال أمام إعادة هيكلة سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية، من خلال تقريب مواقع الإنتاج من المستهلكين، وتطوير سياسات إدارة المخزون، وتحسين شبكات النقل وزيادة قدرتها على مواجهة الصدمات المناخية.

وتشمل الفرص الاستثمارية قطاعات النقل الأخضر، والمواني، والسكك الحديدية، والخدمات اللوجستية، وحلول إدارة سلاسل التوريد.

التكنولوجيا الصحية وأنظمة الإنذار المبكر

وتتزايد فرص الاستثمار في التكنولوجيا الصحية وأنظمة الإنذار المبكر، بالتزامن مع ارتفاع معدلات الأمراض والإجهاد الحراري المرتبط بتغير المناخ.

وتشمل هذه المجالات مراقبة الأمراض، وتحليل البيانات الصحية والمناخية، وتطوير المنشآت الصحية القادرة على مواجهة الظروف المناخية المتطرفة، إلى جانب الاستثمار في أنظمة الإنذار المبكر التي تساعد على الحد من الخسائر وحماية الأرواح والبنية الأساسية.

كل دولار في التكيف يحقق أكثر من 10 دولارات فوائد

وأوضح التحليل أن الاستثمار في التكيف والمرونة المناخية يمكن أن يحقق عوائد اقتصادية مرتفعة، مشيرًا إلى دراسة لمعهد الموارد العالمية شملت تحليل 320 استثمارًا في التكيف والمرونة في 12 دولة، بقيمة إجمالية بلغت 133 مليار دولار.

وأظهرت الدراسة أن كل دولار يُستثمر في التكيف يمكن أن يحقق أكثر من 10 دولارات من الفوائد خلال عشر سنوات، بمتوسط عائد يبلغ 27%.

كما تمثل استثمارات إدارة مخاطر الكوارث، وعلى رأسها أنظمة الإنذار المبكر، مجالًا واعدًا لتحقيق عوائد اقتصادية من خلال الحد من الخسائر وحماية الأرواح والمنشآت.

الطاقة النظيفة أحد مسارات مواجهة الاحترار

وأكد مركز المعلومات أن التوسع في الطاقة النظيفة والمتجددة يمثل أحد أهم مسارات الحد من مسببات الاحترار العالمي، خاصة أن قطاع الطاقة يرتبط بنحو 75% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

وبحسب تقرير «استثمارات الطاقة العالمية لعام 2026» الصادر عن الوكالة الدولية للطاقة، بلغت الاستثمارات العالمية في تصنيع تقنيات الطاقة النظيفة نحو 200 مليار دولار.

التكيف المناخي يتحول إلى ميزة تنافسية

وخلص تحليل مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار إلى أن استمرار ارتفاع درجات الحرارة يفرض تغيير طريقة التعامل مع قضية التكيف المناخي، بحيث لا ينظر إليها باعتبارها قضية بيئية فقط، وإنما باعتبارها قضية اقتصادية واستثمارية وتنموية تؤثر بصورة مباشرة في الإنتاجية والأمن الغذائي والطاقة والمياه والصحة والبنية الأساسية والاستثمار.

وأكد التحليل أن التحرك المبكر للاستثمار في التكيف والمرونة المناخية لا يقتصر على الحد من الخسائر المحتملة، بل يمكن أن يتحول إلى مصدر لفرص اقتصادية واستثمارية جديدة، ويمنح الاقتصادات والشركات الأكثر استعدادًا قدرة أكبر على المنافسة خلال السنوات المقبلة.