من حلف بغداد إلى عدم الانحياز.. عمرو موسى يروي تاريخ موقف مصر من التحالفات
كشف عمرو موسى، وزير الخارجية الأسبق والأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية، تفاصيل جديدة حول تاريخ الموقف المصري الرافض للانضمام إلى الأحلاف العسكرية الدولية، مؤكدًا أن هذا التوجه لم يبدأ عقب ثورة يوليو 1952 فقط، بل كانت له جذور تعود إلى السنوات الأخيرة من عهد الملكية في مصر.
وأوضح موسى أن مصر تبنت مبكرًا رؤية تقوم على الحفاظ على استقلال القرار الوطني وعدم الارتباط بتحالفات عسكرية قد تحد من حرية تحركها في السياسة الخارجية، قبل أن تتحول هذه الرؤية في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر إلى سياسة متكاملة عُرفت باسم سياسة عدم الانحياز.
عمرو موسى: مصر رفضت الانضمام للأحلاف منذ عام 1951
وقال عمرو موسى، خلال مداخلة هاتفية مع الإعلامي محمد علي خير في برنامج «المصري أفندي» المذاع عبر قناة «الشمس»، إن الموقف المصري من الأحلاف العسكرية الدولية ظهر بشكل واضح منذ عام 1951، مشيرًا إلى أن القاهرة اتخذت آنذاك عددًا من القرارات التي عكست رغبتها في الابتعاد عن الصراعات العسكرية الدولية.
وأضاف أن مصر رفضت الانضمام إلى القوات التي شاركت في الحرب الكورية، كما امتنعت عن التصويت في مجلس الأمن بشأن هذه القضية، وهو ما اعتبره مؤشرًا مبكرًا على توجه مصري للحفاظ على استقلالية القرار السياسي وعدم الدخول في ترتيبات عسكرية دولية.
وأكد موسى أن هذه المواقف لم تكن وليدة اللحظة، وإنما جاءت نتيجة رؤية سياسية تهدف إلى حماية المصالح المصرية وعدم السماح بفرض التزامات خارجية على الدولة.
رفض حلف بغداد محطة مهمة في السياسة المصرية
وأشار وزير الخارجية الأسبق إلى أن رفض مصر الانضمام إلى حلف بغداد، الذي كان يعرف أيضًا باسم «الحلف المركزي»، مثل إحدى أبرز المحطات في تاريخ الموقف المصري من الأحلاف العسكرية.
وأوضح أن الحكومة الوفدية الأخيرة قبل ثورة يوليو اتخذت موقفًا واضحًا برفض الانضمام إلى هذا الحلف، الذي كان يضم عددًا من الدول تحت مظلة ترتبط بالسياسات الغربية خلال فترة الحرب الباردة.
واعتبر موسى أن هذه الخطوة كانت بداية مهمة لترسيخ مفهوم الحياد وعدم الانحياز في السياسة الخارجية المصرية، مشيرًا إلى أن مواقف القاهرة خلال عامي 1950 و1951 شكلت مقدمات أساسية للسياسة التي ظهرت بشكل أكثر وضوحًا لاحقًا.
عبد الناصر حول المبدأ إلى سياسة عدم انحياز
وأوضح عمرو موسى أن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر لم يبدأ هذه السياسة من نقطة الصفر، لكنه استند إلى توجهات ومواقف سابقة، وقام بتطويرها وتحويلها إلى سياسة واضحة تقوم على عدم انضمام مصر إلى أي من المعسكرات الدولية المتنافسة.
وأضاف أن سياسة عدم الانحياز أصبحت أحد أهم ملامح السياسة الخارجية المصرية خلال فترة الحرب الباردة، حيث سعت القاهرة إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف القوى العالمية وفقًا لمصالحها الوطنية.
وأكد أن مصر كانت من الدول الفاعلة في تأسيس وترسيخ حركة عدم الانحياز، التي هدفت إلى دعم استقلال الدول النامية ورفض التبعية لأي قوة دولية.
عدم الانحياز لا يعني ابتعاد مصر عن العالم
وشدد موسى على أن سياسة عدم الانحياز لم تكن تعني انعزال مصر عن المجتمع الدولي أو الابتعاد عن القضايا العالمية، بل كانت تهدف إلى الحفاظ على حرية القرار المصري.
وأوضح أن القاهرة حرصت من خلال هذا النهج على التعامل مع مختلف الدول والقوى الدولية وفقًا لمصالحها الخاصة، دون الالتزام بتحالفات قد تتعارض مع رؤيتها السياسية.
وأشار إلى أن هذا التوجه منح مصر مساحة أكبر للتحرك الدبلوماسي، خاصة في القضايا الإقليمية والدولية التي كانت تشهد تنافسًا كبيرًا بين القوى الكبرى.
موقف مصر من إسرائيل داخل حركة العالم الثالث
وتطرق عمرو موسى إلى موقف مصر من مشاركة إسرائيل في أطر دول العالم الثالث، موضحًا أن القاهرة تبنت موقفًا رافضًا لذلك، انطلاقًا من رؤيتها للقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي.
وأكد أن السياسة المصرية خلال تلك الفترة ارتبطت بمجموعة من المبادئ التي ركزت على دعم استقلال الدول النامية، ورفض الهيمنة الخارجية، ومساندة القضايا العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
واختتم موسى تصريحاته بالتأكيد على أن سياسة عدم الانحياز كانت امتدادًا لمسار طويل من المواقف المصرية السابقة، وليست قرارًا ظهر بشكل مفاجئ بعد ثورة يوليو، مشيرًا إلى أن مصر أصبحت لاحقًا واحدة من أبرز الدول المؤثرة في حركة عدم الانحياز عالميًا.
