×

أبراج الحمام في قرية صوص بقنا.. تراث يتحدى الزمن

الخميس 6 أغسطس 2026 04:56 صـ 21 صفر 1448 هـ
أبراج الحمام في قرية صوص بقنا.. تراث يتحدى الزمن

تقف أبراج الحمام القديمة في قرية صوص التابعة لمركز نقادة، جنوب محافظة قنا، شاهدة على جانب مهم من التراث المعماري والاجتماعي الذي ميّز قرى الصعيد قديمًا، بعدما ظلت صامدة لأكثر من قرن وسط المنازل، محتفظة بتفاصيلها البسيطة وملامحها التي تحكي طريقة حياة أجيال متعاقبة من أبناء القرية.

وتضم قرية صوص عددًا من المعالم الدينية والتاريخية القديمة، من بينها كنيسة أو دير أبي سيفين، إلى جانب مساجد وزوايا ومقامات ارتبطت بالذاكرة الشعبية لأهالي المنطقة، فيما تمثل أبراج الحمام أحد أبرز الشواهد على طبيعة العمارة الريفية والأنشطة الاقتصادية التي اعتمد عليها السكان خلال العقود الماضية.

تصميم بسيط بوظائف متعددة

شُيدت أبراج الحمام في قرية صوص باستخدام الطوب اللبن، وهو من مواد البناء التقليدية التي انتشرت في قرى الصعيد بسبب ملاءمتها للبيئة وقدرتها على تخفيف درجات الحرارة داخل المباني.

وكان المبنى يتكون عادة من طابقين؛ خُصص الطابق الأرضي لإقامة الأسرة أو تخزين بعض الاحتياجات والأدوات، بينما استُخدم الطابق العلوي في تربية الحمام، بما يعكس كيفية استغلال المساحات المتاحة داخل التجمعات السكنية القديمة.

واعتمد سقف المبنى على جذوع النخيل، فيما وُضعت داخله أوانٍ فخارية مصنوعة من الطمي، لتكون بمثابة أعشاش آمنة للحمام، إلى جانب فتحات تسمح له بالدخول والخروج، وفتحتين مخصصتين لدخول المربي ووضع الطعام والمياه.

أوانٍ فخارية لجذب الحمام

قال بشار محمد، أحد أهالي القرية، إن أبراج الحمام موجودة في صوص منذ عقود طويلة، وكانت تُبنى بطريقة تساعد على جذب الحمام الجبلي الذي يغادر في الصباح ويعود مع حلول المساء.

وأوضح أن الأواني الفخارية كانت تُرص داخل الطابق العلوي لتوفير أماكن مناسبة لوضع البيض وتربية الصغار، كما كانت تُثبت بعض جذوع الأشجار خارج البرج حتى يقف عليها الحمام قبل دخوله.

وساعد هذا التصميم البسيط على زيادة أعداد الحمام وإنتاجه، ليصبح مصدرًا للطعام والدخل بالنسبة إلى عدد من الأسر التي عاشت داخل القرية.

لماذا بُنيت وسط المنازل؟

كان اختيار موقع أبراج الحمام في قلب التجمع السكني أمرًا مقصودًا، إذ ساعد ارتفاعها ووجودها في مناطق مفتوحة نسبيًا على جذب الحمام القادم من اتجاهات مختلفة.

كما أتاح وجودها بجوار المنازل لأصحابها متابعة الحمام وتقديم الطعام والماء له بصورة منتظمة، فضلًا عن حمايته من السرقة والحيوانات التي قد تهدد الأعشاش.

وكان المربون يعتمدون على الغلال والمحاصيل التي يزرعونها في إطعام الحمام، ما جعل تكلفة التربية محدودة مقارنة بالفترة الحالية، التي شهدت ارتفاعًا في أسعار الحبوب ومستلزمات تربية الطيور.

مصدر دخل للأسر

مثلت تربية الحمام قديمًا موردًا اقتصاديًا مساعدًا لعدد من الأسر متوسطة الدخل، إذ كان السكان يبيعون جزءًا من الإنتاج، ويحتفظون بجزء آخر للاستهلاك المنزلي.

واستغرق بناء الأبراج الكبيرة عدة أشهر بسبب طبيعة المواد المستخدمة وكثرة الأواني الفخارية داخلها، بينما كان من الممكن الانتهاء من الأبراج الأصغر خلال أسابيع قليلة.

ومع تغير أنماط البناء واتجاه السكان إلى استخدام الطوب الأحمر والخرسانة، تراجعت أعداد أبراج الحمام التقليدية، إلا أن بعض النماذج القديمة ما زالت قائمة في القرية، محتفظة بشكلها الأصلي رغم مرور السنوات.

صوص في المصادر التاريخية

قال أحمد الدعباسي، الباحث في تاريخ محافظة قنا، إن نجع صوص يُعد من أكبر نجوع ناحية البحري قمولا، ويقع بعيدًا نسبيًا عن شاطئ نهر النيل.

وأوضح أن المنطقة من التجمعات القديمة التي ورد ذكرها عند المؤرخ الإدفوي في كتابه «الطالع السعيد»، باسم «شوص»، مشيرًا إلى وجود شوص الكبرى وشوص الصغرى، قبل أن يندمج التجمعان بمرور الزمن ويظهرا كأنهما مكان واحد.

وتكشف هذه الإشارة التاريخية عن قدم القرية وأهميتها داخل المنطقة، إلى جانب ما تحمله من موروث معماري وديني واجتماعي يستحق التوثيق والحفاظ عليه.

معالم دينية قديمة

تضم قرية صوص مسجدين جامعين قديمين، إلى جانب عدد من المساجد الصغيرة والزوايا، فضلًا عن كنيسة أبي سيفين، التي تعد من الكنائس القديمة في المنطقة.

كما تشتهر القرية بعدد من الأولياء والمقامات المرتبطة بالثقافة الشعبية المحلية، ومن بينها مقام الشيخ منصور الذي يُقام له مولد سنوي، إلى جانب الشيخ مكي الأنصاري، والشيخ إبراهيم، والشيخ حمادة، والست زينب، والشيخ حمدان والشيخ يونس.

وتعكس هذه المعالم حالة التنوع والتعايش التي عُرفت بها قرى محافظة قنا، حيث ظلت المباني الدينية والتراثية جزءًا أصيلًا من هوية المكان وذاكرة سكانه.

تراث يحتاج إلى الحماية

لا تمثل أبراج الحمام مجرد مبانٍ قديمة، بل تُجسد نمطًا كاملًا من الحياة الريفية، يجمع بين العمارة التقليدية وتربية الطيور واستغلال المحاصيل المحلية وتوفير مصدر دخل للأسر.

ويطالب المهتمون بالتراث بضرورة توثيق هذه الأبراج وترميم ما يمكن إنقاذه منها، حفاظًا على ذاكرة القرية وتعريف الأجيال الجديدة بأساليب البناء والمعيشة التي اعتمد عليها أجدادهم.

وتظل أبراج الحمام في قرية صوص واقفة وسط المنازل، لتروي بصمت حكايات سكان عاشوا بجوارها، واعتمدوا عليها في حياتهم اليومية، قبل أن تتحول اليوم إلى شاهد نادر على تراث قنا الريفي.