الحب المتبادل بين الأجيال.. كيف ربت آمال سالم حفيدتها ياسمين بعد مرضها؟
قد لا ينسى جمهور المسرح المصري شخصية “الخالة آمونة” في مسرحية «ريا وسكينة»، تلك المرأة ذات الصوت المبحوح والحضور اللافت، التي كانت من أوائل ضحايا الأحداث. خلف هذه الشخصية تقف الفنانة آمال سالم، التي ربما لم تنل حظًا واسعًا من الانتشار، رغم امتلاكها موهبة مميزة وأعمال متعددة، لكنها ظلت عالقة في أذهان الجمهور بهذا الدور تحديدًا.
آمال سالم هي والدة الفنانة سوسن بدر، وقد شهدت حياتها تحولات إنسانية عميقة، جعلت منها نموذجًا للتضحية والعطاء داخل الأسرة. فبعد سنوات من العمل الفني، قررت في التسعينيات اعتزال التمثيل، لتتفرغ لرعاية حفيدتها “ياسمين”، ابنة سوسن بدر، في قصة عائلية تحمل الكثير من الدفء.
بدأت الحكاية حين تزوجت سوسن بدر في سن مبكرة من أستاذها في المعهد العالي للفنون المسرحية، الدكتور أسامة أبو طالب، وأنجبت منه ابنتها ياسمين. لكن هذا الزواج لم يستمر طويلًا، إذ انتهى بعد خمس سنوات، لتجد سوسن نفسها منشغلة بمسيرتها الفنية، بينما تولّت الأم، آمال سالم، الجزء الأكبر من مسؤولية تربية الحفيدة، كما يحدث في كثير من البيوت المصرية.
نشأت ياسمين في كنف جدتها، التي منحتها وقتها واهتمامها الكامل، حتى أصبحت العلاقة بينهما استثنائية. غير أن القدر كان يحمل فصلًا مؤلمًا في هذه القصة، إذ أُصيبت آمال سالم بمرض الزهايمر، ذلك المرض القاسي الذي يسرق الذاكرة والهوية تدريجيًا. وهنا انقلبت الأدوار، لتصبح ياسمين هي الراعية لجدتها، في مشهد إنساني مؤثر يعكس دائرة متكاملة من الحب والعطاء.
هذه التجربة تركت أثرًا عميقًا في نفس سوسن بدر، وظهرت بوضوح في أدائها لشخصية تعاني من الزهايمر في مسلسل «طريقي»، حيث استعانت بتفاصيل دقيقة عاشتها مع والدتها. وقد صرّحت بأن تلك الفترة لم تكن تمثل فيها الدور بقدر ما كانت تستعيد ملامح أمها، حتى شعرت وكأنها تعيشها من جديد.
ومن أكثر اللحظات إيلامًا، ما روته سوسن بدر عن أن والدتها كانت تسأل عنها وهي أمامها، قائلة: “أين سوسن؟ هل رأيتِ ابنتي الطيبة؟”، في مشهد يجسد قسوة المرض. كما كانت تمر بنوبات خوف حين تدرك فجأة أنها لا تعرف من تكون أو أين هي، لتصبح مهمة ابنتها طمأنتها واحتواؤها، حتى في غيابها عبر الهاتف، بكلمات بسيطة تحمل كل معاني الأمان.
هكذا، لم تكن حياة آمال سالم مجرد مسيرة فنية، بل كانت حكاية إنسانية متكاملة، بدأت بالعطاء كأم وجدة، وانتهت برعاية تلقّتها من حفيدتها، في دائرة حب لا تنقطع، حتى رحلت في هدوء، تاركة وراءها أثرًا لا يُنسى في القلوب قبل الشاشة.
