هند رستم والفن والدين: رؤية متفردة تجمع بين الإيمان والإبداع
تُعد الفنانة هند رستم واحدة من أبرز أيقونات السينما المصرية في العصر الذهبي، واسمها ارتبط بالأناقة والجمال والجرأة في الاختيارات الفنية، لكنها كانت أيضًا تحمل رؤية عميقة وحذرة تجاه الدين والعلاقة بين الفن والروحانية. سؤال واحد شغلها كثيرًا خلال حياتها، وهو: "هل ينفع أن أذهب للحج وأرجع أشتغل في السينما؟"، وهو سؤال لم يكن مجرد فضول شخصي، بل انعكاسًا لرؤيتها المتوازنة بين التزامها الديني ومهنتها الفنية.
لم تلجأ هند رستم لسؤال أي شيخ أو رجل دين، بل اختارت أن تستشير الكاتب والفيلسوف المصري الكبير عباس محمود العقاد، خلال لقاء صحفي لها عام 1963 مع مجلة الكواكب. كان رد العقاد واضحًا ومفصّلًا، إذ قال لها: "ينفع طبعا.. مين قال إن فن التمثيل حرام؟ أنا رأيي الشخصي أن التمثيل مش حرام، الحرام هو الخلاعة والابتذال، سواء في التمثيل أو غيره". هذا الرد أعطاها تأكيدًا على أن الفن ذاته لا يتناقض مع الدين ما دام نقيًا من الابتذال والإسفاف.
ابنة الفنانة، بسنت رضا، أكدت في حوار لها مع "الحكيم" أن والدتها كانت سيدة متدينة بطريقتها الخاصة، تقول: "كانت تحب ربنا وتناجيه بصمت، وكانت تؤمن بأن الإيمان في القلب وليس في المظاهر، لذلك لم تتأثر بما يروج حول التديّن الإعلامي". وكانت هند رستم صارمة في موقفها من ظاهرة الفنانات المحجبات، حيث كانت ترى أن الفن ليس معصية لتتوب عنه، وأن من تريد التحجب حرية شخصية، لكن لا يجوز مزج الدين بالفن أو استغلاله للإعلانات والشهرة.
خلال الفترة التي ازدهرت فيها الدروس الدينية والإعلامية مثل حكايات عمرو خالد، رفضت هند حضور هذه الدروس، معتبرة إياها مجرد شو إعلامي، ومشددة على أن العلاقة مع الله يجب أن تكون علاقة صادقة وخاصة، بعيدة عن الكاميرات والأضواء.
ولم يقتصر اهتمامها بالدين على الكلام فقط، بل قامت بالفعل بتأدية فريضة الحج بعد أن سبقتها بعمرة، حيث اختارت موسمًا سياحيًا غير مزدحم لتتجنب الزحام الذي كانت تعاني منه بسبب "فوبيا الأماكن المغلقة". وكانت رحلة العمرة والحج تجربة روحانية خالصة، فقد رأتها ابنتها في حالة من الصفاء والتعلق بأستار الكعبة، تدعو الله بخشوع وطمأنينة لم تعرفها من قبل، معبرة عن تقديرها العميق للإيمان والروحانية بعيدًا عن الأضواء والشهرة.
تُظهر هذه التفاصيل أن هند رستم لم تكن مجرد فنانة جميلة وموهوبة، بل شخصية متكاملة تعرف كيف توازن بين الإبداع الفني والتزامها الروحي، محافظة على حياتها الشخصية والروحانية رغم الضغوط الإعلامية والمهنية. كانت تؤمن بأن الفن يمكن أن يكون وسيلة للتعبير الإيجابي، وأن الدين والإيمان لا يتعارضان مع الطموح والإبداع، بل يمكن أن يمنح الفنان سلامًا داخليًا ويقينًا في كل خطوة يخطوها على صعيد الحياة والمهنة.
من خلال هذه الرؤية، تظل هند رستم مثالًا للفنانة التي جمعت بين الروحانية والموهبة، بين الصرامة في قيمها الدينية والحرية في اختيار أدوارها الفنية، ما يجعلها رمزًا يُحتذى به في كيفية التعامل مع الدين والفن معًا في إطار من التوازن والاعتدال.
إن قصة هند رستم مع الدين ليست مجرد اعتقاد شخصي، بل درس لكل من يعمل في الفن، مفاده أن الصدق مع النفس ومع الله هو السبيل لتحقيق السعادة والطمأنينة، وأن الالتزام الديني لا يقلل من قيمتك الفنية، بل يزيدها احترامًا وتقديرًا في أعين الآخرين.
