×

حسن البارودي.. شيخ المنافقين في السينما المصرية وعملاق المسرح الذي خلدته أدواره

الخميس 1 يناير 1970 02:00 صـ 14 ذو القعدة 1447 هـ
حسن البارودي.. شيخ المنافقين في السينما المصرية وعملاق المسرح الذي خلدته أدواره
يُعد الفنان الكبير حسن البارودي أحد أبرز نجوم الزمن الجميل الذين تركوا بصمة خاصة في تاريخ السينما والمسرح العربي. فقد امتلك أسلوبًا متفردًا في الأداء ونبرة صوت مميزة جعلته مختلفًا عن غيره من الممثلين، حتى أصبح علامة فنية لا تُنسى في تاريخ الفن المصري. وعلى الرغم من أنه اشتهر بأداء أدوار الشيخ المنافق أو الرجل الماكر في العديد من الأفلام، فإن موهبته الحقيقية جعلته واحدًا من أعمدة التمثيل في المسرح والسينما على السواء، حتى لُقب بـ “عجوز المسرح العربي”.   وُلد حسن البارودي في 19 نوفمبر عام 1898 في حي الحلمية بالقاهرة وسط أسرة متوسطة الحال. ومنذ طفولته ظهرت ميوله الفنية، إذ شارك في النشاط المسرحي المدرسي، وكان شغوفًا بالتمثيل وتقمص الشخصيات. ومع اندلاع ثورة 1919 ازداد وعيه الثقافي والفني، وأصبح المسرح بالنسبة إليه وسيلة للتعبير عن المجتمع وقضاياه.   في بداياته لم يكن نجمًا معروفًا، بل بدأ العمل ملقنًا في المسرح، وهي مهنة كانت تتطلب حفظ النصوص المسرحية ومساعدة الممثلين أثناء العرض. إلا أن قربه من الخشبة وملاحظته الدقيقة لأداء الممثلين جعلته يتعلم أسرار التمثيل عمليًا، حتى سنحت له الفرصة للوقوف أمام الجمهور.   عام 1923 انضم إلى فرقة الفنان حافظ نجيب المسرحية، وهناك بدأت موهبته تتبلور بشكل واضح. وبعد فترة انتقل إلى فرقة رمسيس التي كان يديرها عميد المسرح العربي يوسف وهبي، وهي من أهم الفرق المسرحية في تاريخ الفن المصري. في هذه الفرقة شارك البارودي في عدد كبير من المسرحيات التي أكسبته خبرة واسعة وثقة كبيرة في قدراته التمثيلية.   لاحقًا انضم إلى فرقة الفنانة فاطمة رشدي، وهناك نضجت موهبته بشكل أكبر، وبدأ اسمه يلمع في الوسط الفني. فقد امتلك قدرة استثنائية على تجسيد الشخصيات المركبة، سواء كانت طيبة أو شريرة، وكان يجذب الجمهور بنبرة صوته المميزة وطريقته الخاصة في إلقاء الحوار.   دخل حسن البارودي عالم السينما عام 1934 من خلال فيلم “ابن الشعب”، لتبدأ مرحلة جديدة في مسيرته الفنية. وخلال الأربعينيات والخمسينيات شارك في عدد كبير من الأفلام التي رسخت مكانته كممثل متمكن قادر على تقديم أدوار متنوعة.   ومن أبرز أدواره السينمائية شخصية “مدبولي” في فيلم باب الحديد للمخرج يوسف شاهين، حيث قدم أداءً لافتًا أظهر قدرته على تجسيد الشخصيات الشعبية بصدق كبير. كما جسد شخصية حارس القبور في فيلم سكة السلامة، وهو دور حمل الكثير من الرمزية الاجتماعية.   لكن الدور الذي رسخ صورته في أذهان الجمهور كان في فيلم الزوجة الثانية، حيث قدم شخصية الشيخ المنافق الذي يساند الظلم باسم الدين، فكان أداؤه واقعيًا إلى درجة جعلت المشاهدين يكرهونه داخل الفيلم ويعجبون بموهبته خارجه. وفي المقابل استطاع أن يقدم صورة مختلفة تمامًا في فيلم حسن ونعيمة، حيث جسد شخصية شيخ طيب يحمل الحكمة والوقار.   ومن أشهر العبارات التي ظلت مرتبطة باسمه في ذاكرة الجمهور جملته الساخرة الشهيرة: “الورق ورقنا والدفاتر دفاترنا”، والتي أصبحت من أشهر الإفيهات في تاريخ السينما المصرية.   لم تتوقف شهرة حسن البارودي عند حدود السينما المصرية، بل امتدت إلى العالمية. فقد شارك عام 1966 في فيلم Khartoum إلى جانب النجم العالمي Charlton Heston. كما شارك في الفيلم الألماني Rommel Invades the Desert، إضافة إلى الفيلم الأمريكي Egypt by Three، وهو ما جعله من أوائل الممثلين المصريين الذين شاركوا في أعمال سينمائية عالمية.   على الصعيد الشخصي تزوج حسن البارودي مرتين؛ الأولى من الفنانة رفيعة الشال وأنجب منها ابنة، ثم تزوج مرة أخرى من سيدة من خارج الوسط الفني وأنجب منها ثلاثة أبناء.   تقديرًا لعطائه الفني الكبير، منحه الرئيس جمال عبد الناصر وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1963، بعد مسيرة حافلة تجاوزت 120 عملاً بين المسرح والسينما والتليفزيون. كما حصل على جائزة الدولة التشجيعية عام 1962، إضافة إلى وسام الاستحقاق من تونس.   وكان الرئيس أنور السادات من أشد المعجبين به، حتى إنه خصص له معاشًا استثنائيًا قدره 100 جنيه تقديرًا لتاريخه الفني، لضمان حياة كريمة له في سنواته الأخيرة.   غير أن نهاية مسيرته حملت شيئًا من الحزن، حين تلقى خطابًا يفيد بإحالته إلى المعاش. كان ذلك الخبر بمثابة صدمة كبيرة له، إذ شعر بأن سنوات عطائه الطويلة انتهت بقرار إداري، رغم أنه كان لا يزال قادرًا على العمل والعطاء. حاول العودة إلى التمثيل الذي كان يعتبره عشقه الأوحد، لكن محاولاته لم تجد استجابة، فاختار العزلة واعتكف في منزله.   وفي 18 يناير عام 1974 رحل حسن البارودي عن عمر ناهز 75 عامًا، تاركًا خلفه إرثًا فنيًا ضخمًا من الأعمال التي ما زالت حاضرة في ذاكرة الجمهور.   وقبل رحيله أوصى زملاءه من الفنانين بكلمات تحمل خلاصة تجربته الطويلة، فقال: “اجعلوا رؤوسكم مرفوعة بالفن، وقدموا أعمالًا ذات قيمة حقيقية.”   وهكذا بقي اسم حسن البارودي واحدًا من الأسماء الخالدة في تاريخ الفن العربي، فنانًا استطاع أن يحول الأدوار الثانوية إلى علامات لا تُنسى، وأن يثبت أن الموهبة الصادقة قادرة على صناعة الخلود.