×

يحيى شاهين: رحلة النبوغ من ميت عقبة إلى نجومية السينما والمسرح

الخميس 1 يناير 1970 02:00 صـ 14 ذو القعدة 1447 هـ
يحيى شاهين: رحلة النبوغ من ميت عقبة إلى نجومية السينما والمسرح
في يوم 28 يوليو من العام 1917، دون كاتب الصحة في مركز إمبابة معلومات مولود جديد أطلق عليه اسم يحيى يحيى حسن شاهين، وُلد في ميت عقبة لعائلة متوسطة الحال، معقولة الرزق، عاش أبناؤها في بيئة تتسم بالحرص على إعدادهم لمستقبلهم بما تسمح به الإمكانيات المتاحة. كما قال يحيى شاهين لاحقًا: "أسرتي لا تفكر في الغد كثيرًا، إلا بقدر ما تؤمل في أولادها الصغار، الذين سيصبحون رجالها في المستقبل، وهي ساهرة على إعدادهم لهذا المستقبل بما يسمح به دخلها".   دخل يحيى المدرسة في سن مبكرة، والتحق بمدرسة عابدين الابتدائية، حيث برز في الدراسة والمطالعة. لم يقتصر تفوقه على الدراسة فحسب، بل أظهر موهبة لافتة في الإلقاء، فشجعه الأساتذة على الانضمام إلى فريق التمثيل المدرسي. هناك اكتشف يحيى عالمًا مختلفًا عن حياته اليومية، وازداد تعلقه بالفن حين تولى الفنان الكبير بشارة واكيم تدريب الفريق، وأشرف على أول تجربة مسرحية لهم بعنوان "مروءة ووفاء"، التي نالت المركز الأول، وفاز يحيى بالجائزة الأولى وهي مجموعة رباعيات عمر الخيام.   بعد هذا النجاح المبكر، أصبح يحيى حاضرًا بقوة في كل عروض المدرسة المسرحية، وأكد له بشارة واكيم ضرورة متابعة طريق التمثيل لأنه يمتلك إمكانيات كبيرة ستقوده إلى التفوق في هذا المجال. لكن الحياة لم تخلُ من المصاعب، ففي السنة الثانية من المرحلة الثانوية تلقى يحيى نبأ وفاة والده، مما اضطره لترك المدرسة الثانوية المكلفة والالتحاق بالمدرسة الصناعية المجانية، حيث لم يكن هناك فريق تمثيل، فأصبح يحيى يلجأ إلى مشاهدة عروض المدارس الثانوية والفرق الصغيرة لتعويض شغفه بالتمثيل.   تخرج يحيى في العام 1935، ومع محدودية الفرص أمامه، توجه إلى الأستاذ عبدالله أباظة ليحصل على توصية للعمل في مصانع المحلة الكبرى. وهناك صادف إدمون تويما، مدير مسرح الفرقة المصرية، الذي شعر بحب يحيى للفن وإصراره على البقاء في القاهرة، فدعاه لاحقًا للانضمام إلى الفرقة القومية تحت إشراف خليل مطران. رغم أنه لم يكن يتقاضى أجرًا في البداية، إلا أن يحيى استمر في تطوير نفسه وشارك في فيلم "دنانير" بأجر يومي رمزي قدره جنيهان، معتبرًا ذلك خطوة نحو عالم النجومية الذي يحلم به.   في الفرقة، كان يحيى من بين عشرين هاويًا، وأصبح جزءًا من خمسة أعضاء تم اعتمادهم كمحترفين، براتب خمسة جنيهات شهريًا، وهو ما رفع مكانتهم مقارنة بالآخرين، رغم أن النجم أنور وجدي كان يتقاضى سبعة جنيهات فقط. ومع مرور الوقت، بدأت الخلافات تظهر بينه وبين بعض أعضاء الفرقة، فانتقل إلى فرق مختلفة، بما فيها فرقة فاطمة رشدي وفرقة رمسيس ليوسف وهبي، قبل أن يعود إلى الفرقة القومية، التي قدمت له أجرًا قدره ثمانية جنيهات شهريًا.   في عام 1944، بدأ يحيى التحضير لدور عبدالرحمن القس في فيلم "سلامة" أمام الست أم كلثوم، بعد أن رشحته لمخرج الفيلم توجو مزراحي، الذي رحب بموهبته على الفور. وعند العرض الأول، حظي يحيى برد فعل جماهيري كبير، ما جعله محط اهتمام المخرجين الآخرين الذين سعوا لاستقطابه لأعمال جديدة، وهو ما مهد الطريق أمامه للانطلاق نحو عالم الشهرة والنجومية السينمائية.   رغم تألقه الكبير في السينما، لم يبتعد يحيى عن المسرح، الذي ظل بالنسبة له "عشقه الأول والأخير". لقد جمع بين دراسة مبكرة للغة والمطالعة، وبين حب المسرح والتمثيل منذ صغره، مما جعله يتفوق في التمثيل، ويحقق حضورًا قويًا على خشبة المسرح قبل أن ينتقل إلى الشاشة الفضية.   رحلة يحيى شاهين تبرز قوة الشغف بالفن وإصرار الإنسان على متابعة أحلامه رغم العقبات الاقتصادية والعائلية، وكيف يمكن لموهبة مبكرة أن تنمو تدريجيًا لتصبح أساسًا لمسيرة فنية طويلة ومؤثرة، تجمع بين المسرح والسينما، وتترك إرثًا خالدًا في تاريخ الفن المصري.   إن قصة يحيى شاهين ليست مجرد سيرة فنان، بل هي شهادة على قدرة الفرد على تجاوز الصعاب، وعلى أهمية دعم الأسرة والقدرة على استثمار الفرص الصغيرة، فكل لحظة اكتشاف مبكر للمواهب، وكل نصيحة من معلم أو مخرج، يمكن أن تكون مفتاحًا لعالم النجاح والشهرة.