×

سالم قدارة: فنيّ كهرباء جسّد وحشي في “الرسالة” فطردته أمه من البيت

الخميس 1 يناير 1970 02:00 صـ 14 ذو القعدة 1447 هـ
سالم قدارة: فنيّ كهرباء جسّد وحشي في “الرسالة” فطردته أمه من البيت

كان سالم قدّارة رجلاً بسيطًا يعمل فنيّ كهرباء، يقضي يومه بين الأسلاك ولوحات التوصيل، باحثًا عن رزقه بجهدٍ وعرق. لم يكن يتخيّل يومًا أن يقوده عمل عابر إلى تجربة ستبقى علامة فارقة في حياته كلّها. ففي أحد الأيام، قصد أحد الفنادق لإنجاز مهمة كهربائية، وهناك صادف المخرج السوري مصطفى العقاد، الذي كان يحضّر لتصوير مشاهد من فيلم “الرسالة”. لفتت ملامح سالم القوية انتباه العقاد، فاقترب منه وسأله إن كان يرغب في خوض تجربة التمثيل، قائلاً له إنه يراه مناسبًا لتجسيد شخصية “وحشي”.

 

تردّد سالم في البداية، لكنه وافق على خوض المغامرة. بدأ فريق العمل بتدريبه على الأداء التمثيلي، وعلى استخدام الحربة، تمهيدًا لتجسيد دور وحشي، الرجل الذي قتل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، عمّ النبي صلى الله عليه وسلم، في معركة أُحد. كان الدور ثقيلًا في معناه، عظيمًا في رمزيته، ومشحونًا بعاطفة دينية عميقة لدى المسلمين.

 

حين حان وقت تصوير مشهد القتل، وقف سالم ممسكًا بالحربة، لكن يده لم تطاوعه. لم يستطع أن يهوِي بها نحو من يجسّد شخصية حمزة. كان يشعر أن الأمر ليس تمثيلًا فحسب، بل كأنّه يعيد تمثيل واقعة حقيقية تمسّ أحد أعمدة التاريخ الإسلامي. غلبه شعوره، وتملّكه التردد، حتى اضطر فريق العمل إلى إيقاف التصوير. جلسوا معه يشرحون له أن العمل فنيّ توثيقي، يهدف إلى نقل السيرة للأجيال، وإبراز سماحة الإسلام وعدالته، وتعريف غير المسلمين بهذه المرحلة التاريخية. وبعد إقناع طويل، استجمع شجاعته وأدّى المشهد.

 

عُرض الفيلم بعد سنوات، وحقق صدى واسعًا في العالم الإسلامي وخارجه. غير أن الصدمة الكبرى في حياة سالم جاءت من أقرب الناس إليه. فقد شاهدت والدته الفيلم، ورأت مشهد طعنه لحمزة، فاستشاطت غضبًا. أمسكت بجرّة الماء التي كانت في البيت، وقذفتها نحوه وهي تقول بمرارة: “أتقتل عمّ رسول الله وتقيم في بيتي؟ لا سامحك الله!”. لم تستوعب أن ما رأته كان تمثيلًا، وطردته من المنزل فعلًا.

 

لم يجد سالم سبيلًا إلا الاستعانة ببعض المشايخ ليبيّنوا لها أن ما قام به كان أداءً تمثيليًا في عمل يهدف إلى خدمة السيرة، لا إساءة إليها. ومع أن الأزمة هدأت لاحقًا، بقي أثرها في نفسه. كان ذلك الدور هو الأول والأخير في حياته؛ إذ رفض بعدها احتراف التمثيل، وعاد إلى مهنته الأصلية فنيًّا للكهرباء، مفضّلًا حياة البساطة بعيدًا عن الأضواء، حتى وافته المنية عام 2000، تاركًا وراءه قصة تختلط فيها براءة البدايات بثقل الرموز وقدسية التاريخ.