ظُلْمَة الغار… أسطورة الرعب في جبال أجا
قبل نحو ثلاثة قرون، تناقلت الروايات الشعبية في شمال نجد قصة امرأة حملت اسمًا لافتًا: «ظُلْمَة». ورغم غرابة الاسم بمعايير عصرنا، فإنه كان متداولًا في بعض البيئات العربية والحبشية قديمًا. غير أن غرابة الاسم لم تكن سوى مقدمة لحكاية أشد غرابة ورعبًا.
تذكر الروايات أن ظُلْمَة تزوجت رجلًا من بلدة تُدعى «قفار»، تقع على مقربة من منطقة حائل. وأنجبت منه فتاة أسمتها «عروى». بدت حياتها في ظاهرها عادية، إلى أن اختفى زوجها فجأة في ظروف غامضة. وعندما سألها أهل القرية عنه، كانت تجيب بأنه مسافر أو منشغل، غير أن غيابه طال عامًا كاملًا، ما أثار الشكوك وأشعل همسات الريبة بين السكان.
مع تصاعد الشكوك، بدأ أهل القرية يراقبونها في صمت. وعندما شعرت بأنها تحت الأنظار، اختفت فجأة مصطحبة ابنتها، تاركة وراءها علامات استفهام كبرى. غير أن ما كُشف لاحقًا كان صادمًا؛ إذ تناقلت الألسن أنها كانت تمارس أكل لحوم البشر، وأن زوجها وأحد أقاربها كانا من ضحاياها، فضلًا عن حالات اختفاء غامضة لأطفال في القرية خلال تلك الفترة.
هربت ظُلْمَة وابنتها إلى غار معزول في جبال أجا شمال نجد، حيث استقرتا في كهف ضيق تحيط به الصخور الوعرة. هناك، تقول الروايات، واصلتا حياة تقوم على استدراج العابرين من الرحالة المنفردين. كانت عروى تلقي الحجارة لإصابة المارّة، فإذا سقط أحدهم، انقضّتا عليه. ويُقال إن الغار اسودّت جدرانه من كثرة النيران التي أشعلتاها، وأن عدد الضحايا تجاوز المئة.
أما أسباب هذا السلوك المروّع، فتعددت الروايات بشأنه. فبعض المؤرخين أشاروا إلى احتمال إصابتهما بالسُعار بعد هجوم حيوان مسعور، في زمن عانت فيه المنطقة من القحط والجوع. وروايات أخرى نسبت الأمر إلى أصول قبلية حبشية يُشاع عنها ممارسة أكل لحوم البشر في ظروف معينة. بينما رأى فريق ثالث أن المجاعة والفقر المدقع قد يدفعان البشر إلى أقصى درجات الانحراف عن المألوف.
وتروي إحدى الحكايات أن صيادًا وتاجرًا من قبيلة عنزة يُدعى «سليمان بن خنيزان» عثر مصادفة على الغار أثناء الصيد برفقة كلبه السلوقي. وهناك شاهد رجلًا مقيدًا ومسلوخًا، فحاول إنقاذه، ودخل في مواجهة مع أحد أبناء ظُلْمَة المعروف بلقب «السلعو». تمكن الصياد من النجاة وطلب العون، لتبدأ بعدها مطاردة انتهت ـ بحسب بعض الروايات ـ بسقوط ظُلْمَة من أعلى الجبل ووفاتها، بينما أُلقي القبض على عروى.
اللافت أن القصة ذُكرت في كتابات رحالة أوروبيين مرّوا بالمنطقة في القرن التاسع عشر، من بينهم الألماني يوليوس أونتج والفرنسي تشارلز هوبير، اللذان وصفا الغار بأنه من أكثر المواقع رهبة التي شاهداها.
ورغم تضارب التفاصيل بين الأسطورة والتاريخ، تبقى قصة ظُلْمَة مثالًا حيًا على تداخل الحقيقة بالخيال في الذاكرة الشعبية، حيث يمتزج الرعب بالواقع، وتتحول الحكاية إلى جزء من تراث شفهي يروى جيلاً بعد جيل.
