شارع عبد العزيز.. من موكب السلاطين إلى سوق الموبايلات
يُعد شارع عبد العزيز أحد أشهر شوارع القاهرة التجارية في الوقت الحالي، إلا أن اسمه يرتبط بحكاية تاريخية وسياسية مهمة تعود إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين شهدت مصر زيارة رسمية نادرة من السلطان العثماني عبد العزيز، وهي الزيارة التي تركت أثرًا مباشرًا في تاريخ الدولة المصرية الحديثة وفي تخليد اسم السلطان داخل العاصمة.
الخديوي إسماعيل ورؤيته السياسية
عقب توليه حكم مصر، أدرك الخديوي إسماعيل أن إدارة الدولة لا تعتمد فقط على القرارات الإدارية، بل تقوم أيضًا على بناء علاقات سياسية قوية داخل الدولة العثمانية. ومن هذا المنطلق، حرص على توطيد علاقته بالسلطان عبد العزيز، فقام بزيارة رسمية إلى إسطنبول، أسفرت عن علاقة شخصية مميزة بين الطرفين، توجت بدعوة رسمية وجهها إسماعيل إلى السلطان لزيارة مصر.
زيارة لم تتكرر منذ قرون
تُعد زيارة السلطان عبد العزيز لمصر حدثًا استثنائيًا، إذ لم يسبق لسلطان عثماني أن زار مصر منذ دخول السلطان سليم الأول إليها عام 1517. وفي الثالث من أبريل عام 1863، غادر السلطان إسطنبول بحرًا على متن اليخت السلطاني «فيض جهاد»، تاركًا إدارة شؤون الدولة للصدر الأعظم، ورافقه عدد من كبار رجال الدولة وولي عهده، إضافة إلى شقيقه الأمير عبد الحميد.
استقبال رسمي وإعجاب واضح
وصل السلطان عبد العزيز إلى ميناء الإسكندرية في السابع من أبريل، وكان الخديوي إسماعيل في مقدمة مستقبليه. وبعد أيام قليلة، انتقل الوفد السلطاني إلى القاهرة عبر القطار، مرورًا بدلتا النيل. وأبدى السلطان إعجابه الشديد بما شاهده من مظاهر التنظيم والتحديث، سواء في وسائل النقل أو البنية التحتية أو المؤسسات الصناعية، معتبرًا أن مصر سبقت إسطنبول في بعض جوانب التطوير.
جولات تاريخية داخل مصر
شملت الزيارة جولات متعددة في مناطق شبرا والجيزة، كما زار السلطان قبر محمد علي باشا، ووقف أمام الأهرامات، وترأس احتفالات محمل الحج، في مشهد يعكس المكانة الدينية والسياسية لمصر داخل الدولة العثمانية. ولم تكن الزيارة مجرد مجاملة رسمية، بل جاءت بهدف دراسة التجربة الإصلاحية المصرية وإمكانية الاستفادة منها في باقي أقاليم الدولة.
تكريم رسمي ونتائج سياسية
انتهت الزيارة في السادس عشر من أبريل 1863، لكنها أسفرت عن نتائج سياسية مهمة، حيث منح السلطان عبد العزيز الخديوي إسماعيل سيف الشرف العثماني، كما كرم والدته ومنحها لقب «الوالدة باشا». وبعد عامين فقط، صدرت الإرادة السلطانية عام 1867 بإعلان الخديوية المصرية، وهو ما عزز استقلالية الحكم في مصر.
إطلاق اسم السلطان على الشارع
حرص الخديوي إسماعيل على تخليد هذه الزيارة التاريخية، فأطلق اسم السلطان عبد العزيز على أحد الشوارع الرئيسية بالقاهرة. وتم افتتاح الشارع رسميًا عام 1870، بعد أن كان موقعه يضم مقابر لعائلات كبيرة، حيث أمر الخديوي بنقل الرفات وبناء مسجد خاص لجمع العظام، احترامًا لقدسية المكان.
من شارع تاريخي إلى مركز تجاري
ومع مرور الزمن، تغير الطابع العام لشارع عبد العزيز، حيث تحول تدريجيًا إلى مركز تجاري بارز، وأصبح من أكبر أسواق بيع الأدوات الكهربائية والهواتف المحمولة في مصر. ورغم هذا التحول، يظل اسم الشارع شاهدًا على مرحلة سياسية مهمة في تاريخ مصر الحديث، وذكرى لزيارة سلطان عثماني تركت بصمتها في قلب القاهرة.
