×

حكاية أخطر قضية آداب هزت الوسطين الفني والسياسي.. ميمي شكيب من أضواء الأرستقراطية للنهاية

الخميس 1 يناير 1970 02:00 صـ 14 ذو القعدة 1447 هـ
حكاية أخطر قضية آداب هزت الوسطين الفني والسياسي.. ميمي شكيب من أضواء الأرستقراطية للنهاية
لم تكن ميمي شكيب مجرد ممثلة لعبت أدوار المرأة الأرستقراطية أو الشريرة الدلوعة على شاشة السينما، بل كانت عنوانًا لمرحلة كاملة اختلطت فيها السياسة بالفن، والسلطة بالشائعات، لتتحول حياتها في سنواتها الأخيرة إلى واحدة من أخطر القضايا التي هزّت الرأي العام، وما زالت تفاصيلها مثار جدل حتى اليوم.   وُلدت ميمي شكيب، واسمها الحقيقي أمينة شكيب، عام 1913 لأسرة من أصول شركسية تنتمي إلى الطبقة الأرستقراطية. نشأت هي وشقيقتها زوزو شكيب في كنف حياة مترفة، وتلقت تعليمها في مدرسة الراهبات، حيث أتقنت عدة لغات، ما صقل شخصيتها وأكسبها حضورًا لافتًا. لكن هذه الحياة لم تخلُ من الصدمات؛ إذ توفي والدها، مأمور قسم شرطة حلوان، وهي في الثانية عشرة من عمرها، لتتنازل والدتها عن ميراث ابنتيها كي تبقيا معها، وتبدأ رحلة كفاح صامتة لتأمين احتياجاتهما.   جاءت نقطة التحول الأولى عندما لفتت ميمي أنظار الفنان يوسف وهبي خلال وجودها مع أسرتها على شاطئ الإسكندرية، فرأى فيها مشروع نجمة مسرحية كبيرة. إلا أن الأسرة رفضت الفكرة بدعوى الخجل والتقاليد الصارمة. غير أن القدر كان يخبئ لها طريقًا آخر، حين عرضت الأمر على صديقتها وجارتها زينب صدقي، وفي إحدى الزيارات حضر الفنان سليمان نجيب، الذي نجح في إقناعها بخوض التجربة المسرحية. وهكذا وقفت ميمي للمرة الأولى على خشبة المسرح في مسرحية «حكم قراقوش»، واختير لها اسمها الفني «ميمي» بدلًا من أمينة.   عرفت ميمي شكيب طعم الثراء مبكرًا بزواجها من شريف باشا، نجل إسماعيل باشا صدقي، لتدخل عالم القصور والجاه، لكن الزواج لم يدم سوى ثلاثة أشهر، إذ تزوج عليها وهي حامل، فأصيبت بشلل مؤقت، وعادت إلى بيت أسرتها مصرة على الطلاق. تزوجت بعد ذلك من رجل الأعمال جمال عزت، ثم جاء زواجها الأهم والأطول من الفنان سراج منير، بعد تعاونهما في فيلم «ابن الشعب» مطلع الخمسينات. دام هذا الزواج 15 عامًا، واعتبرته ميمي قصة الحب الحقيقية في حياتها، قبل أن يرحل سراج منير عام 1957 إثر أزمة قلبية، تاركًا إياها وحيدة في مواجهة الحياة.   بعد رحيله، أصبحت شقة ميمي شكيب ملتقى للفنانين ورجال المجتمع والسياسة. كانت تحاول مقاومة الوحدة بالسهرات واللقاءات، غير مدركة أن هذه الأبواب المفتوحة ستقودها إلى أخطر منعطف في حياتها. ففي مطلع السبعينات، أعلنت السلطات القبض على شبكة دعارة كبرى عُرفت إعلاميًا باسم «قضية الرقيق الأبيض»، واتُهمت فيها ميمي شكيب مع عدد من الفنانات، من بينهن ميمي جمال، زيزي مصطفى، ناهد يسري، كريمة الشريف، آمال رمزي، سهير توفيق، وسامية شكري، إلى جانب نساء من خارج الوسط الفني.   بدأت القضية بمراقبة هاتف ميمي شكيب، بعد تداول أقاويل عن «تسهيل لقاءات» بين أثرياء عرب وفنانات مصريات. ومع تأويل بعض المكالمات، نُصبت أكمنة حول شقتها، وفي أحد المواعيد داهمت الشرطة المكان وألقت القبض على الموجودين. خلال التحقيقات، أكدت ميمي أنها اعتادت منذ سنوات إقامة سهرات للأصدقاء، وأن بعض الحاضرين استغلوا طيبتها وحسن نيتها لعقد لقاءات خاصة من دون علمها.   لكن القضية سرعان ما تجاوزت الإطار الجنائي، لتغرق في بحر من التفسيرات السياسية. شاعت روايات عن صراع عربي داخلي، وأخرى عن تصفية حسابات، بل وذهب البعض إلى القول إن القضية «مُسيسة» أكثر منها أخلاقية. وفي وقت لاحق، أعادت الفنانة آمال رمزي فتح الملف، متحدثة عن تورط زعيم عربي شهير في تدبير القضية، بعد رفض فنانات تلبية رغباته، وفق روايتها.   قانونيًا، شهدت القضية ارتباكًا كبيرًا؛ إذ تنحّى القاضي في الجلسة الأولى لأسباب إجرائية، وركز الدفاع على أخطاء قانونية، منها صدور إذن النيابة بعد توقيت القبض، وعدم ثبوت أي أوضاع شائنة عند المداهمة. وبالفعل، صدر حكم بالبراءة لجميع المتهمات. غير أن النيابة استأنفت الحكم بحق بعضهن، وفي مقدمتهن ميمي شكيب، لتُعاد المحاكمة، وتنتهي بحبسها عامًا مع إيقاف التنفيذ مراعاة لحالتها الصحية والنفسية، بعدما انهارت تمامًا أثناء الجلسات.   خرجت ميمي من القضية إنسانة أخرى. أودعت مصحة نفسية لفترة، ثم عادت إلى شقتها لتواجه وحدة أشد قسوة. تراجعت أدوارها الفنية إلى الحد الأدنى، واضطرت عام 1975 إلى التقدم بطلب إعانة من صندوق معاشات الفنانين، فخُصص لها معاش استثنائي قدره 100 جنيه. وفي محاولة أخيرة لمصالحة الماضي، بدأت كتابة مذكراتها لمجلة «الشبكة» اللبنانية، كاشفة عن أسرار كثيرة لشخصيات عايشتها.   وفي صباح 20 مايو 1983، استفاق سكان شارع عبد الحميد سعيد بوسط القاهرة على صوت ارتطام جسد بالرصيف. دقائق قليلة كانت كافية ليتبين أن الجثة تعود للفنانة ميمي شكيب، أسفل شرفة شقتها المفتوحة. بين همسات الزحام، طُرح السؤال القديم: هل هو انتحار أم جريمة؟ قُيدت القضية ضد مجهول، ورحلت ميمي شكيب عن 71 عامًا، تاركة وراءها لغزًا مفتوحًا، وسيرة امرأة دفعت ثمن اقتراب الفن من السياسة، وضريبة حياة صاخبة انتهت في صمتٍ ثقيل.