لإحكام السيطرة على نفط العالم؟ قراءة جيوسياسية في اعتقال رئيس فنزويلا وتداعياته على سوق الطاقة
في تطور سياسي وجيوستراتيجي غير مسبوق في أميركا اللاتينية، أعلنت الولايات المتحدة تنفيذ عملية عسكرية مفاجئة أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في خطوة وُصفت بأنها الأخطر منذ عقود، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من التصعيد الإقليمي والدولي. الرئيس الأميركي دونالد ترامب كشف في تصريحات علنية عن تفاصيل العملية، مؤكدًا أن واشنطن ستتولى دورًا مؤقتًا في إدارة فنزويلا، مع السماح بعودة شركات النفط الأميركية لاستغلال احتياطيات البلاد الضخمة.
هذا التحرك أعاد إلى الواجهة التساؤلات حول الدوافع الحقيقية للخطوة الأميركية، خاصة في ظل امتلاك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، يقدَّر بنحو 303 مليارات برميل، ما يمنحها وزنًا استثنائيًا في معادلة الطاقة العالمية ويجعلها محور صراع بين القوى الكبرى.
ويرى الدكتور إسماعيل تركي، أستاذ العلوم السياسية، أن ما جرى لا يمكن فصله عن الحسابات النفطية والاستراتيجية، معتبرًا أن واشنطن توظف شعارات مكافحة المخدرات غطاءً لتحرك أوسع يهدف إلى إضعاف نظام مادورو أو إسقاطه، وإعادة هيكلة قطاع النفط الفنزويلي بما يخدم المصالح الأميركية، في مواجهة النفوذ الصيني والروسي المتنامي في أميركا اللاتينية. ويؤكد أن فنزويلا تحولت إلى ساحة مواجهة جيوسياسية مفتوحة، تتقاطع فيها مصالح الطاقة والأمن والنفوذ الدولي.
وفي أكثر من مناسبة، شدد الرئيس الأميركي على نية بلاده إعادة بناء صناعة النفط الفنزويلية ورفع مستويات الإنتاج لضخ كميات أكبر في الأسواق العالمية، وهو ما فجّر جدلًا واسعًا حول كون النفط هو المحرك الأساسي للتصعيد. ويلاحظ مراقبون أن هذا الخطاب لا يقتصر على فنزويلا، بل يمتد إلى دول أخرى تمتلك احتياطيات ضخمة أو ترتبط بتحالفات طاقية مع خصوم واشنطن، وفي مقدمتها إيران.
التصعيد لم يتوقف عند حدود التصريحات، إذ شهدت مياه البحر الكاريبي ضربات أميركية استهدفت سفنًا فنزويلية، قابلتها كاراكاس بمناورات عسكرية واسعة تحت مسمى “سيادة الكاريبي”، ما يعكس انتقال الأزمة من الضغوط السياسية والاقتصادية إلى مستويات عسكرية أكثر حساسية. ويرى تركي أن استخدام ملف المخدرات كذريعة للتدخل يعكس نمطًا أميركيًا تاريخيًا في التعامل مع حكومات المنطقة غير المنسجمة مع سياساتها.
دوليًا، سارعت الصين إلى إدانة العملية، محذّرة من محاولات أميركية لإعادة رسم خريطة النفوذ في أسواق الطاقة العالمية، فيما دعت روسيا إلى احترام القانون الدولي، معتبرة أن فنزويلا باتت حلقة جديدة في صراع النفوذ بين القوى الكبرى، يمتد من أميركا اللاتينية إلى الشرق الأوسط.
من جانبه، يؤكد الدكتور محمد الطماوي، خبير العلاقات الدولية، أن خطورة الأزمة تكمن في الوزن الحقيقي لفنزويلا في سوق الطاقة، مشيرًا إلى أن احتياطياتها تمثل نحو 17% من الاحتياطيات العالمية المؤكدة. ويوضح أن الإنتاج الحالي، الذي يتراوح بين 850 و900 ألف برميل يوميًا، لا يعكس القدرات الفعلية للبلاد، التي كانت تنتج أكثر من 3.2 مليون برميل يوميًا في نهاية تسعينيات القرن الماضي، ما يعني وجود طاقة كامنة ضخمة قد تعود بقوة إذا تبدلت المعادلات السياسية.
ويحذر الطماوي من أن الأسواق العالمية لا تراقب الإنتاج الحالي فقط، بل تضع في حساباتها الإمكانات المستقبلية، لافتًا إلى أن أي تصعيد عسكري أو تعطيل لوجستي في البحر الكاريبي قد ينعكس مباشرة على أسعار النفط. كما أشار إلى أن جزءًا كبيرًا من صادرات فنزويلا يتجه إلى الصين عبر ترتيبات معقدة، ما يزيد حساسية الموقف وتأثيره على التوازنات العالمية.
وفي السياق نفسه، يرى محللون أن ما يحدث في فنزويلا يتقاطع مع سياسة أميركية أشمل تجاه إيران، حيث لم يعد الصراع محصورًا في الملفات النووية أو السياسية، بل امتد بوضوح إلى معركة السيطرة على موارد الطاقة والتحالفات الطاقية، في إطار سعي واشنطن لترسيخ نفوذها في سوق النفط العالمي.
