خليل أفندي أغا… خادم القصر الذي صار جزءًا من التاريخ
لم يكن خليل أفندي أغا مجرد خادم في بلاط الخديوي إسماعيل، بل كان شاهدًا حيًّا على واحدة من أكثر مراحل التاريخ المصري ثراءً وتعقيدًا. فقد قضى سنوات طويلة يعمل مع الخديوي إسماعيل وعائلته، حتى صار واحدًا من أكثر المقربين إليهم، يتعامل معهم وكأنه فرد أصيل من الأسرة، ويعاملونه بثقة قلّ أن حظي بها غيره.
تولى خليل أفندي منصب الخادم الخاص للخديوي إسماعيل، وكان كذلك محل ثقة الوالدة باشا، والدة الخديوي، لما عُرف عنه من أمانة وانضباط. وشغل منصب كبير أغوات هوشيار قادين، زوجة الخديوي إبراهيم والي مصر، وهو ما جعله يتمتع بمكانة رفيعة داخل القصر. هذه المكانة انعكست على ثرائه الكبير، إذ أغدق عليه الخديوي والوالدة باشا بالهدايا والأموال، حتى صار من أصحاب الثروات المعتبرة في زمانه.
ومن أبرز مناصبه أنه شغل وظيفة ناظر السرايات، فكان المسؤول الأول عن شؤون القصور وتنظيمها. وأسندت إليه مهام بالغة الأهمية، منها الإشراف على تشييد جامع الرفاعي بالقاهرة، والإشراف على أفراح أنجال الخديوي إسماعيل، وعلى رأسهم الأمراء توفيق، وحسين كامل، وحسن باشا، الذي استمر فرحه أربعين ليلة متتالية، في مشهد يعكس فخامة البلاط الخديوي آنذاك.
اشتهر خليل أفندي أغا بمظهره الرسمي المميز، إذ كان يرتدي الزي الذي اختاره له الخديوي بنفسه: بدلة إسطنبولي سوداء مغلقة الأزرار، وقميصًا أبيض، وطربوشًا أحمر قصيرًا يعلو رأسه، وحذاءً أسود من جلد الفرنيه، في صورة تجمع بين الهيبة والانضباط.
ومع ذيوع صيته وحسن إدارته، حاول عدد من الباشوات تقليده، فجلبوا أغوات لقصورهم تيمنًا به، غير أن أحدًا لم يستطع أن يبلغ منزلته أو يحاكي دقته. فقد اقتصرت مهام هؤلاء على الجلوس عند أبواب القصور حاملين العصا، لاستقبال الضيوف وإرشادهم، بينما ظل خليل أغا نموذجًا فريدًا في القرب من دوائر القرار.
ولرغبته في تخليد اسمه، أنشأ خليل أفندي عام 1869 مدرسة باسمه في شارع فاروق، المعروف حاليًا بشارع الجيش. بدأت ككُتّاب وتكية لإيواء الفقراء والوافدين إلى القاهرة، ودرّست قواعد النحو والخط العربي واللغة التركية. ثم تحولت عام 1905 إلى مدرسة ابتدائية تضم قسمًا للتعليم الثانوي، يدرّس الإنجليزية والفرنسية. وفي عام 1921 جُددت المدرسة، ثم افتتح الملك فؤاد الأول عام 1930 مدرسة خليل أغا الثانوية باسم «تحسين الخطوط الملكية»، كأول مدرسة متخصصة في تعليم الخط العربي، وضمّت نخبة من أساتذة الخط الأتراك والمصريين. وقد تخرج فيها عدد من أعلام القرن العشرين، مثل محمد فريد، ومحمد حسنين هيكل، ومحمد عوض، وإحسان عبد القدوس.
امتدت أملاك خليل أغا إلى مناطق عدة، من جاردن سيتي بالقاهرة، حيث حمل أحد الشوارع اسمه، إلى أراضٍ واسعة في محافظتي الغربية وكفر الشيخ تجاوزت 1800 فدان، إضافة إلى منازل متعددة.
أما لقب «الأغا»، فيشير إلى الرجل الخصي الذي كان يُسمح له بدخول مناطق الحريم داخل القصور دون خشية، وهو لقب تركي يعني السيد أو الرئيس، مدنيًا كان أو عسكريًا. وقد بلغت هيبة خليل أفندي أغا حدًّا جعل بعض الوزراء يقبّلون يده خشية سخطه، لما كان يتمتع به من قرب شديد وثقة مطلقة من الخديوي إسماعيل، ليظل اسمه محفورًا في ذاكرة التاريخ المصري كأكثر من مجرد خادم… بل رجل دولة من خلف الستار.
