لم يكن سقوط أم كلثوم على خشبة مسرح «الأوليمبيا» في باريس مجرد لحظة عابرة، ولا حادثًا جسديًا عارضًا، بل واقعة كثيفة الدلالات، تختصر زمنًا عربيًا منكسرًا، وفنانة تحوّلت من مطربة إلى رمز قومي يحمل على كتفيه وجدان أمة كاملة بعد هزيمة يونيو 1967.
بعد النكسة، لم تنكفئ أم كلثوم على نفسها، بل خرجت إلى العالم تغني من أجل المجهود الحربي، وجمعت من حفلاتها ملايين الجنيهات لدعم الجيش المصري. من بين هذه الحفلات، كانت حفلة باريس هي الأكثر رمزية وإثارة، حتى إن الرئيس الفرنسي شارل ديجول قيل إنه قال: «خرج العرب من هزيمة 67 بمأساة، وأريد من أم كلثوم رفع معنويات العرب في فرنسا».
من فكرة عابرة إلى حدث تاريخي
بذرة حفلة الأوليمبيا تعود إلى عام 1966، حين زار برونو كوكاتريكس، مالك ومدير صالة الأوليمبيا الشهيرة، القاهرة، والتقى وزير الثقافة المصري ثروت عكاشة. خلال حديث ودي عن الفن والتاريخ، اقترح عكاشة إقامة حفل لأم كلثوم في الأوليمبيا. استغرب كوكاتريكس وسأل ساخرًا: «من هي أم كلثوم؟ هل هي فنانة استعراضية؟»، فجاءه الرد الواثق: «ستعرف من تكون حين تغني على مسرحك».
وبالفعل، قصد كوكاتريكس فيلا أم كلثوم بالزمالك، بصحبة الشاب المثقف محمد سلماوي مترجمًا. وافقت أم كلثوم بشروطها كاملة: أجر يفوق أجر إديث بياف، الأسطورة الفرنسية، وإقامة في فندق خمس نجوم. بدا الأمر مخاطرة تجارية؛ فالتذاكر ستكون مرتفعة الثمن، والجالية العربية في فرنسا أغلبها من شمال إفريقيا بظروف مادية محدودة.
الخوف قبل العاصفة
عند طرح التذاكر، لم تُبع في البداية. دب الرعب في قلب كوكاتريكس، واعتقد أنه وقع في فخ حفلة خاسرة. لكن المشهد انقلب رأسًا على عقب مع وصول أم كلثوم إلى باريس قبل الحفل بأيام. استقبلتها حشود بالآلاف، والتُقطت الصورة الشهيرة لها وسط الجماهير، وبُثّ ظهورها في نشرة الأخبار الفرنسية، فتحوّل مطار شارل ديجول إلى معبر خاص لجمهور جاء من ألمانيا وإنجلترا والخليج.
حضر الحفل الملك حسين بن طلال، و13 سفيرًا، و20 أميرًا، واحتل أمراء السعودية الصفوف الأولى، بينما شكّل الفرنسيون نحو 20% من الجمهور، وحضر قرابة 500 يهودي من مهاجري مصر الذين حنّوا إلى صوت «الست».
الفن والسياسة… مواجهة على المسرح
حين سألها كوكاتريكس عن عدد الأغاني، قالت إنها ستغني اثنتين أو ثلاثًا، غير مدرك أن الأغنية الواحدة قد تمتد لأكثر من ساعة. وعندما قدّم الإذاعي الكبير جلال معوض الحفلة قائلاً: «اليوم تشدو أم كلثوم في عاصمة النور باريس، وغدًا تشدو في القدس المحررة»، اعترض كوكاتريكس محتجًا بأن الحفل فني لا سياسي.
لكن أم كلثوم حسمت الأمر بجملة فاصلة: «دي حفلة سياسية، وإحنا هناخد الفلوس نديها للجيش»، وأمرت الفرقة بلمّ الآلات. لم يجد الرجل إلا الاعتذار، لتستمر الحفلة التي أصبحت لاحقًا من أبرز مشاهد فيلم «الست».
لحظة السقوط… ماذا حدث؟
في الحفلة الثانية، يوم 15 نوفمبر، وأثناء غنائها «الأطلال»، التقط المصور الفرنسي الشهير جان كلود دويتش واحدة من أشهر صور أم كلثوم، تُظهر ملامحها القريبة وانفعالها الشديد. بعد لحظات، وقعت أم كلثوم على الأرض.
السبب، كما ترويه الشهادات، أن شابًا عربيًا مندفعًا اقترب من المسرح محاولًا تقبيل قدمها. بردّ فعل فطري وسريع، سحبت أم كلثوم قدمها بقوة، ومع عامل السن وعدم الاتزان، فقدت توازنها وسقطت. لم يكن سقوط وهن، بل سقوط لحظة إنسانية لفلاحة مصرية أصيلة فوجئت بتقديس جسدي أربكها.
ما بعد السقوط
نهضت أم كلثوم، بنظرتها الشهيرة الحادة، وكأنها تعيد ضبط المشهد كله. أكملت الحفل، وأصرت على ألا ينفق أفراد فرقتها أي عملة صعبة، قائلة إن مصر تحتاج كل مليم. وبعد انتهاء الحفل، ظل الجمهور يهتف مطالبًا برؤيتها مرة أخيرة.
هكذا، لم تسقط أم كلثوم لأن جسدها خانها، بل لأنها كانت محمولة على فرط الحب، وعلى لحظة تاريخية تجاوزت فيها الغناء إلى ما هو أبعد: الرمز، والروح، والكرامة. كان سقوطها على خشبة الأوليمبيا واحدًا من أكثر لحظات القوة الإنسانية صدقًا في تاريخ الفن العربي.