×

الشحرورة: حين سبقت الأحلام الحقيقة… مأساة عائلية غيّرت مسار حياتي

الخميس 1 يناير 1970 02:00 صـ 14 ذو القعدة 1447 هـ
الشحرورة: حين سبقت الأحلام الحقيقة… مأساة عائلية غيّرت مسار حياتي

لم تكن الشحرورة صباح من أولئك الذين يبالغون في تفسير الأحلام أو يمنحونها أكثر مما تستحق، لكن ما عاشته في واحدة من أكثر مراحل حياتها قسوة جعلها تؤمن بأن للقلب حدسًا قد يسبق الخبر، وللروح إشارات لا تخطئ. تحكي صباح، بصدق موجع، عن تلك الفترة التي بدأت فيها ترى والدتها تتكرر في أحلامها، تظهر مكتئبة، حزينة، شاحبة الملامح، وكأنها تطلب النجدة.

تقول صباح في مذكراتها إنها كانت كلما رأت أمها على هذه الهيئة شعرت بانقباض شديد، وكانت تدرك أن هذا الضيق ليس عابرًا، بل نابع من حساسية مفرطة وإحساس داخلي بوجود كارثة تلوح في الأفق. في تلك الأيام، كانت الصحف والمجلات تتداول أخبارًا عن مآسٍ إنسانية قاسية، وكانت صباح تشعر أن مأساة ما تخصها هي، لذلك حرص المقرّبون منها على إخفاء الحقيقة عنها خوفًا على حالتها النفسية.

ورغم محاولات الإخفاء، كانت العيون تفضح ما تعجز الشفاه عن قوله. رأت صباح القلق في نظرات كبار الفنانين الذين قابلتهم، وقرأت الأسرار في ابتساماتهم المصطنعة. وفي إحدى الليالي، استيقظت مفزوعة من حلم مزعج، رأت فيه أمها غارقة في الدم، وأخاها أنطوان يغسل يديه منه. قصّت الحلم على زوجها، فحاول تهدئتها واعتباره مجرد أضغاث أحلام، بينما كان في الحقيقة يعلم أن كارثة حقيقية قد وقعت.

تكررت الأحلام، ولم يعد قلب صباح يحتمل. اشتد حنينها إلى أمها، وتملّكها إحساس غامض بأن الجميع يخفون عنها أمرًا جللًا. وفي صباح من شهر سبتمبر عام 1947، اتخذت قرارها بالسفر إلى لبنان، رغم تردد زوجها ومحاولاته تأجيل الرحلة. وفي الطريق، عادت الأحلام المفزعة لتطاردها، إلى أن جاءت اللحظة التي لم يعد فيها مجال للإنكار.

صارحها زوجها بالحقيقة تدريجيًا، وأخبرها أن شقيقها أنطوان اختلط في الفترة الأخيرة برفاق سوء، وأوقعه ذلك في خطأ جسيم دفعه إلى الهرب خارج البلاد خوفًا من القانون. لكن هذا التفسير لم يكن كافيًا، فطالبت صباح بالحقيقة كاملة. عندها فقط انكشفت الفاجعة: أنطوان، وهو في السادسة عشرة من عمره، قتل والدته تحت تأثير الشائعات والوساوس، بعدما أوهمه البعض بعلاقة وهمية لا أساس لها.

تقول صباح إن الجيران الحاقدين لعبوا دورًا خطيرًا، إذ غذّوا شكوك الفتى الصغير وساعدوه على الحصول على السلاح، فارتكب جريمة دمّرت العائلة بأكملها. فرّ أنطوان بعدها إلى البرازيل، حيث عاش وتزوج وأنجب، بينما بقيت صباح أسيرة صدمة فقدان أمها وأخيها معًا في لحظة واحدة.

وتختم الشحرورة اعترافها بمرارة ممزوجة بالتسامح، قائلة إنها لم تستطع أن تكره شقيقها رغم فداحة ما ارتكب، فهو في النهاية ابن أمها وأبيها، وشقيقها الوحيد. مأساة تركت جرحًا لا يندمل، لكنها شكّلت جزءًا من إنسانيتها، ومنحت صوتها الحزين عمقًا لا يعرفه إلا من ذاق الفقد عن قرب.