بين الأسطورة والتاريخ.. رحلة الحاكم بأمر الله من الحكم إلى الغياب
الخميس 1 يناير 1970 02:00 صـ14 ذو القعدة 1447 هـ
يعد الحاكم بأمر الله (996–1021م) من أكثر الخلفاء الفاطميين إثارةً للجدل في تاريخ مصر والعالم الإسلامي، فهو الخليفة الفاطمي السادس، واسمه الكامل أبو علي المنصور بن العزيز بالله بن المعز لدين الله الفاطمي، ولد في القاهرة سنة 985م، وتولى الحكم وهو في الحادية عشرة من عمره بعد وفاة والده العزيز بالله، ليصبح أصغر من جلس على عرش الفاطميين سنا.
منذ السنوات الأولى لحكمه، ظهرت شخصية الحاكم بأمر الله بوصفها لغزًا سياسيًا وروحيًا فريدًا، فقد جمع بين الورع والزهد من جهة، وبين الصرامة والاستبداد من جهة أخرى، فكان يصلح ويعاقب، يقرب العلماء ويمنع بعض المظاهر الاجتماعية في الوقت نفسه، امتد حكمه نحو خمسة وعشرين عامًا، امتلأت بالإصلاحات الكبرى والقرارات الغريبة التي جعلته حديث المؤرخين عبر العصور.
إصلاحات وقرارات مثيرة
سعى الحاكم بأمر الله إلى فرض العدالة الاجتماعية ومراقبة الأسواق بنفسه، فخفض أسعار السلع الأساسية، وأمر بتوزيع المؤن على الفقراء، ولم يتهاون مع المخالفين حتى وإن كانوا من خاصته، وفي المقابل، اتخذ قرارات وصفت بالعجيبة أو المتناقضة، مثل منع أكل الملوخية لسنوات، وتحريم بيع العنب أو عصره، ومنع النساء من الخروج ليلًا، بل حظر بعض المهن لفترات محددة، ما جعل الناس يعيشون بين الإعجاب بصرامته والحيرة من قراراته.
وفي الجانب الديني، أمر بفتح المساجد ليلًا كي يتمكن الناس من العبادة، وحرص على تشجيع العلماء والفقهاء، واهتم اهتمامًا خاصًا بعلم الفلك والفلسفة، ومع ذلك، شهد عهده اضطرابات في العلاقة بين المسلمين والمسيحيين واليهود بسبب قراراته الصارمة، ما جعله حاكمًا يصعب تصنيفه بين التسامح والتشدد.
الحاكم والدعوة الدرزية
يرتبط اسم الحاكم بأمر الله بنشأة المذهب الدرزي، إذ رأى بعض أتباعه فيه تجسدًا للإله، وهي فكرة رفضها علماء المسلمين رفضًا قاطعًا، لم يعلن الحاكم تبنيه لهذا الفكر علنًا، لكن الدعوة إليه خرجت في عهده على يد حمزة بن علي بن أحمد وآخرين، لتصبح لاحقًا أساس المذهب الدرزي القائم حتى اليوم.
اختفاؤه الغامض
عام 1021م، خرج الحاكم في نزهة ليلية على جبل المقطم ولم يعد بعدها قط. اختفاؤه المفاجئ فتح الباب أمام عشرات الروايات: فمنها من قال إنه اغتيل بأمر من شقيقته ست الملك بسبب خلاف سياسي، ومنها من رأى أنه انسحب متخفيًا ليعيش حياة الزهد والتعبد، بينما اعتقد أتباعه الدروز أنه لم يمت، بل غاب وسيعود في آخر الزمان.
إرث من الغموض والهيبة
ترك الحاكم بأمر الله إرثًا متناقضًا يجمع بين الإصلاح والصرامة، والهيبة والغموض، فقد كان في نظر البعض حاكمًا عادلًا زاهدًا، وفي نظر آخرين مستبدًا غريب الأطوار، لكنه بلا شك أحد أبرز رموز العبقرية الفاطمية، وصاحب تجربة فكرية وسياسية لا تزال تثير الجدل حتى اليوم.
لقد ظل اسمه حاضرًا في كتب التاريخ والحكايات الشعبية، كرمز للحاكم الغامض الذي جمع بين المئذنة والعقل الفلسفي، بين التقوى والسلطة المطلقة، فكان حقًا الحاكم الذي عاش بين الأسطورة والواقع.