القاهرة مباشر

أبو بثينة يتحدى بيرم.. أسرار معارك بيرم التونسي وأبو بثينة الزجال المشاكس

الخميس 1 يناير 1970 02:00 صـ 14 ذو القعدة 1447 هـ
أبو بثينة يتحدى بيرم.. أسرار معارك بيرم التونسي وأبو بثينة الزجال المشاكس
لم تكن مصر يومًا فقيرة في أبنائها الذين يكتبون بالكلمة المضيئة، بل كانت على الدوام تنجب من يضحك الناس بعمق، ويزرع في القلوب وعيًا بالبسمة، وسيفًا من الذكاء في غمد الدعابة، ومن بين هؤلاء، يطل علينا اسم فريد لا ينسى: محمد عبد المنعم زكي، الذي عرفه الناس باسم "أبو بثينة"، أحد أعمدة الزجل المصري، وصانع الضحك الهادف، وفارس الكلمة الساخرة.  

العامية التي أخافت شوقي

  في بدايات القرن العشرين، كانت مصر تمور بالحركة والتجديد، غير أن أكثر من تسعين في المئة من أهلها لم يكونوا يجيدون القراءة والكتابة، ومع ذلك كانت العقول تتقد شوقًا للمعرفة، والمقاهي تتحول إلى مدارس يقرأ فيها المتعلمون الجريدة بصوت عالي للفلاحين والبسطاء، وفي تلك الأجواء المفعمة بالحياة، ولد نجم جديد من أبناء الإسكندرية سنة 1905، درس حتى حصل على شهادة “البكالوريا”، وكان ذلك آنذاك بمثابة تأشيرة عبور إلى النخبة، التحق بالوظيفة الحكومية سكرتيرًا، ثم مفتشًا عامًا بوزارة الشؤون الاجتماعية، لكن قلبه كان مع الشعر والكلمة.   كان يكتب باللهجة العامية المصرية، تلك التي تخترق القلوب بلا استئذان، حتى قال أحمد شوقي، أمير الشعراء، عبارته الشهيرة: "لست أخشى على العربية من أحد كما أخشاها من أبي بثينة!" خاف شوقي أن يلهث الناس وراء العامية الجميلة البسيطة، فيبتعدوا عن الفصحى الرصينة، لكن ما لم يدركه أن “أبا بثينة” لم يكن يهدم اللغة، بل كان يفتح لها نافذة على الناس.  

من سكرتير حكومي إلى فارس الضحك

  في عام 1926، أنشأت دار الهلال مجلة جديدة اسمها "الفكاهة"، تعنى بالضحك والسخرية اللاذعة، فوجد "أبو بثينة" فيها بيته الأول، لثماني سنوات متواصلة، كانت قصائده تملأ صفحات المجلة، لا لتضحك الناس فقط، بل لتربي فيهم حسًا اجتماعيًا راقيًا. كان يسخر من الخرافة، ويهاجم الفساد، ويعري التناقضات بضحكة ناعمة. كان الضحك عنده أداة بناء، لا وسيلة للهروب، وكان كل عدد يحمل نكتة تداوي، وزجلًا يوقظ الضمير.  

الاسم الذي صار لغزًا

  ظل القارئ يتساءل: من يكون هذا الرجل الذي يوقع دوماً باسم “أبو بثينة”؟ أهو اسم مستعار أم كنية حقيقية؟ الرأي الأرجح أنه كان يوقع بهذا الاسم تيمنًا بابنته بثينة، وبعض الظرفاء قالوا إنه أراد السخرية من الشاعر القديم جميل بن معمر، العاشق الشهير لبثينة، كأنه يقول له ضاحكًا: “كفاك عشقًا يا جميل، أنا الآن أبو بثينة، وسآخذها إلى عالم آخر من الشعر”  

الزجال الذي ربى جيلاً من الضحك

  ما كان "أبو بثينة" مجرد شاعر ساخر، بل كان مربيًا بالضحكة، علم الناس أن الضحك لا يعني الاستخفاف، بل هو فن عميق يحتاج إلى عقل راجح وقلب كبير. كان يؤمن أن الكلمة المضحكة تستطيع أن تصلح ما لا يصلحه الغضب، ولذلك حين كتب، لم يكن يرشق السهام في وجوه الناس، بل يضع على جراحهم ملح الحكمة.  

حين يصبح الحب زجلاً

  اختار لنفسه لقب “أبو بثينة”، لأن “بثينة” لم تكن فقط ابنته، بل رمزًا للحب الطاهر الذي يلد الإبداع، مثلما أحب جميل بثينته، أحب هو مصر وبثينته معًا، فكتب للأولى حب الوطن، وللثانية حب الحياة.   ومن طرائفه أنه تلقى رسالة من أحد القراء يقول فيها: “أريد أن أخطب بثينة لابني ذي الست سنوات!” فأجابه “أبو بثينة” في زجل ساخر لاذع: “إن كان ابنك سيكبر غير صائع، أزوجه حالاً إن لم يمنع الدين مانع” كلمات تجمع بين الجد والمزاح، بين الحكمة والود، بين أبٍ حنون وزجالٍ خفيف الظل.  

"أبو بثينة" مكتشف إسماعيل يس

  لم تتوقف بصماته عند الشعر فقط، فقد كان “أبو بثينة” أول من اكتشف الموهبة الكوميدية الفذة للفنان إسماعيل يس. كان “سمعة” في بداياته يغني على طريقة عبد الوهاب، حتى التقاه “أبو بثينة” وقال له: “دع الغناء، واضحك الناس على همومها، هذا هو مجالك.” كتب له أول مونولوج في حياته، عن “المدام المتفرنجة”، فكان هذا النص بمثابة الانطلاقة التي غيرت مسار الكوميديا المصرية إلى الأبد. هكذا كان “أبو بثينة” يرى في الضحك رسالة لا تقل شأنًا عن الشعر.  

ذكاء يهرب من المشنقة

  الزجال الساخر دائمًا على حافة الخطر، وكلمة واحدة قد تزجه في السجن. كتب “أبو بثينة” ذات مرة زجلاً يلمح إلى علاقة راقصة شهيرة بأحد ملوك مصر، فغضب الملك فاروق وأمر بالتحقيق معه، لكن الرجل واجه النائب العام بثبات وقال: “هذه مشاعر شخصية بيني وبين الراقصة، ومن حقي أن أكتب عنها” بذكاء عجيب خرج من القضية كما تخرج الشعرة من العجين، وأثبت أن “اللعب بالكلمة” عنده ليس تسلية، بل درع يحميه من بطش السلطة.  

الخبث الفني في مواجهة الصراحة

  كان خصمه اللدود بيرم التونسي، صريحًا كالسيف، لا يعرف المداراة، ولذلك ذاق مرارة النفي والحرمان، أما “أبو بثينة”، فكان يخفي النصل داخل الوردة، يلمح ولا يصرح، ويغلف السخرية بطابع فني يجعلها تمر من أعين الرقباء. لذا قال عنه بيرم مرةً مازحًا: “أبو بثينة ده دماغ سم” لكن “السمّ” هنا كان فنًا خالصًا، يجعل المعنى يطير من فوق رؤوس الناس فلا يمسك به أحد.  

خلاف الشعراء... وسخرية العظماء

  عندما نفي بيرم خارج البلاد، خلت الساحة قليلًا، فبرز نجم “أبو بثينة” أكثر فأكثر، حتى نال الجائزة الأولى في مؤتمر الزجل العربي بلبنان عام 1945. لكن حين عاد بيرم سرًا إلى مصر، أشعلت الإذاعة فتيل معركة جديدة بينهما، كان “أبو بثينة” قد ألقى زجلاً في احتفال رسمي يناشد فيه الملك أن يعفو عن بيرم، ظنًا منه أنه يصنع معروفًا، غير أن بيرم، الذي لم يكن يقبل الشفاعة، رد عليه بهجوم عنيف، فاشتعلت “حرب الأزجال” في مجلات “الراديو” و“البعكوكة” و“الإمام”، وامتلأت الصفحات بقصائد هجاء متبادلة بين العملاقين. حتى إن بيرم قال ساخرًا حين لقب الزجالون "أبا بثينة" بأميرهم: “أميري جوز أم بثينة” كلمة بقيت رمزًا لتلك المعارك الأدبية التي كانت تشعل الصحف وتنعش الحركة الثقافية.  

الزجل... صوت الشعب

  في زمن لم تكن فيه وسائل التواصل، كان الزجل لسان الناس ومرآتهم. أبو بثينة كتب في مجلات “الفكاهة” و“الدنيا الجديدة” و“كل شيء” و“الاثنين” و“الكواكب”، وصار له باب ثابت باسم “الشؤون العاطفية” يجيب فيه عن رسائل الناس، فيحل مشكلاتهم بأسلوب طريف ومؤنس. كانت آلاف الرسائل تصله أسبوعيًا، يقرؤها جميعًا، ويرد عليها بصدق القلب وخفة الروح. لم يكن شاعرًا وحسب، بل مستشارًا اجتماعيًا، يسمع الناس ويمنحهم البسمة والأمل.  

حين تغدو الوظيفة ضرورة

  على الرغم من شهرته الواسعة، لم تغنه الكتابة عن العمل الحكومي، فظل في وزارة الزراعة سنوات طويلة، لأن دخل الصحافة لم يكن كافيًا آنذاك. ظل يوازن بين الوظيفة والموهبة، حتى تفرغ في أواخر الأربعينات لدار الهلال. كان نموذجًا للفنان الذي يعيش ببساطة ويترك أثرًا خالدًا، دون ضجيج أو ادعاء.  

أزجال تعيش بعد أصحابها

  كان “أبو بثينة” يقول في إحدى قصائده التي تبدو وكأنها كتبت اليوم:   “عندي كلمة بدي أقولها... ليه نفوسنا مالها شحت؟ من نصارى لمسلمين، كلنا أخوة في الدين. نركب الغلابة، ونبذر الدقيق في الهلس، والفقير دايسين عليه، والحمير هي اللي لاقية عيشها” كلمات خرجت من قلب شاعر صادق، يرى بعين الفقير ويسخر من الظلم بمرارة عاشق لبلاده.  

إرث الضحك والوعي

  رحل أبو بثينة في 2 يونيو 1989، بعد أن عاش أربعًا وثمانين عامًا من العطاء والضحك والتنوير. كتب للأجيال زجلاً جعل الضحك وسيلة للنهضة، وحول الكلمة إلى جسر بين الحاكم والمحكوم، وبين القلب والعقل. كان صوته صوت الشعب، ولسانه لسان الوعي الجميل. لم يكن مجرد زجال يلهو بالكلمات، بل كان “بانيًا بالكلمة”، و”طبيبًا للوجدان”، و”أبًا للضحك المصري الأصيل”.