انهيار بنك أوينو في باراجواي.. تجميد حسابات 2.9 مليون عميل و380 مليون دولار من أموال المعاشات في قلب الأزمة
أثار انهيار بنك «أوينو»، أحد أكبر البنوك الرقمية في باراجواي، موجة واسعة من القلق بشأن مستقبل الخدمات المصرفية الرقمية ومدى قدرتها على حماية أموال العملاء، بعدما تدخل البنك المركزي وقرر إخضاع المؤسسة لإجراءات التصفية، في خطوة أدت إلى اضطراب الخدمات المصرفية وتعذر وصول ملايين العملاء إلى حساباتهم ومدخراتهم.
ولم تتوقف تداعيات الأزمة عند القطاع المصرفي، بل امتدت إلى المشهد السياسي والاقتصادي، وسط احتجاجات وانتقادات بشأن العلاقة بين المؤسسات المالية والسلطة التنفيذية، خاصة مع ظهور ارتباطات سابقة بين مسؤولين بارزين والمجموعة المالكة للبنك.
وبحسب البيانات المتداولة، تأثر نحو 2.94 مليون عميل بالأزمة، بما يعادل قرابة 63% من السكان البالغين في باراجواي، لتصبح واحدة من أبرز الأزمات التي تواجه قطاع البنوك الرقمية.
انهيار بنك أوينو.. كيف تجمدت حسابات 3 ملايين عميل؟
بدأت الأزمة في 3 نوفمبر الجاري، عندما تدخل البنك المركزي في باراجواي بعد رصد تدهور خطير في المؤشرات المالية لبنك «أوينو»، وانخفاض معدل الملاءة المالية إلى أقل من نصف الحد الأدنى القانوني.
وأدى القرار إلى إخضاع البنك لإجراءات التصفية والإدارة الرقابية، وسط مخاوف من عدم قدرته على الوفاء بالتزاماته المالية، نتيجة أزمة السيولة وتراجع قدرته على تغطية المخاطر المرتبطة بأصوله.
وتسبب ذلك في اضطراب الخدمات المصرفية، بما شمل التطبيقات الإلكترونية وبطاقات الائتمان والتحويلات، الأمر الذي حرم ملايين العملاء من الوصول إلى أرصدتهم ومدخراتهم.
وتزداد خطورة الأزمة بالنظر إلى حجم قاعدة عملاء البنك، فضلًا عن إدارته أموالًا عامة واستثمارات تابعة لصناديق حكومية.
380 مليون دولار من أموال المعاشات والصحة في قلب الأزمة
امتدت تداعيات انهيار البنك إلى الأموال العامة، بعدما كشفت البيانات عن وجود استثمارات وأموال تابعة لصندوق التقاعد والتأمين الصحي الحكومي المعروف باسم IPS لدى المؤسسة المصرفية.
وتشير المعلومات إلى أن نحو 380 مليون دولار من أموال الصندوق كانت مستثمرة لدى البنك، ضمن إجمالي أموال عامة تقدر بنحو 800 إلى 850 مليون دولار.
وأثارت هذه الأرقام مخاوف بشأن مصير استثمارات الصندوق وقدرته على استرداد أمواله، خاصة أن أي خسائر محتملة قد تنعكس على الموارد المخصصة للمعاشات والخدمات الصحية.
وفي المقابل، أكدت جلاديس فيرا، المديرة المالية للصندوق، أن أصحاب المعاشات سيحصلون على مستحقاتهم الشهرية بصورة طبيعية خلال الشهر الجاري، بعد إيداع أموال الصرف في بنك آخر.
وأضافت أن الصندوق سيبدأ اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لاسترداد استثماراته، مع البحث عن مؤسسة مصرفية بديلة لخدمة نحو 32 ألف متقاعد كانوا يحصلون على معاشاتهم عبر بنك أوينو.
استقالة رئيس البنك المركزي وتحركات لعزل رئيس باراجواي
تحولت الأزمة المصرفية إلى قضية سياسية بعد تصاعد الانتقادات بشأن العلاقات السابقة بين مسؤولي البنك والمجموعة المالكة له.
وشهدت التطورات استقالة رئيس البنك المركزي كارلوس كارفالو، الذي ارتبط اسمه سابقًا بإدارة بنك أوينو، كما تزايدت الضغوط السياسية على الرئيس سانتياجو بينيا، بعد الكشف عن علاقات تجارية سابقة جمعته بمجموعة «Grupo Vázquez»، الشركة الأم المالكة للبنك.
وتشير المعلومات إلى أن بينيا ظل شريكًا تجاريًا للمجموعة حتى مارس 2025، بينما يؤكد البنك أن الرئيس لم يكن مساهمًا أو مستثمرًا فيه، وينفي كل من الرئيس والبنك ارتكاب أي مخالفات.
وفي أعقاب تفجر الأزمة، تحركت كتل معارضة في البرلمان للمطالبة بمساءلة الرئيس وطرح إجراءات لعزله، على خلفية علاقاته السابقة بالمجموعة، بالتزامن مع امتداد التحقيقات لتشمل مسؤولين وتنفيذيين في البنك.
قروض الشركات المرتبطة بالمالكين تكشف أسباب الانهيار
وفي محاولة لتوضيح أسباب الأزمة، أشار رئيس البنك المركزي المستقيل كارلوس كارفالو إلى أن الجهات الرقابية رصدت مخاوف تتعلق بالقروض التي منحها البنك لشركات مرتبطة بمالكيه.
وتخضع هذه النوعية من القروض لقيود مصرفية صارمة، نظرًا إلى مخاطر توجيه أموال المودعين إلى أنشطة تجارية مرتبطة بملاك المؤسسة المالية.
وأوضح كارفالو أن عمليات التفتيش الموسعة كشفت عن مخالفات أكثر خطورة، كان من المقرر إحالتها إلى الجهات المختصة للتحقيق فيها.
ومن جانبه، أعلن البنك المركزي عزمه تعيين مسؤولين لإدارة البنك، وتقييم أصوله وحمايتها، والتحقيق في مسؤولية القيادات التنفيذية عن التدهور المالي، مع اتخاذ الإجراءات اللازمة وفقًا لنتائج التحقيقات.
وأكدت السلطات أن التدخل يستهدف حماية حقوق المودعين وتقليل تداعيات الأزمة ومنع انتقال آثارها إلى بقية المؤسسات المصرفية.
ضمان الودائع يصل إلى 38 ألف دولار.. ماذا عن الحسابات الكبيرة؟
في محاولة لاحتواء مخاوف العملاء، أعلنت الجهات التنظيمية أن ضمان الودائع يصل إلى نحو 228 مليون جواراني باراجواياني، بما يعادل قرابة 38 ألف دولار أمريكي لكل مودع.
وبموجب قانون المصارف في باراجواي، يتعين صرف قيمة الضمان خلال 15 يومًا، مع إمكانية تمديد المهلة مرة واحدة لمدة مماثلة.
لكن الأزمة الأكبر تتعلق بأصحاب الحسابات التي تتجاوز أرصدتهم سقف الضمان، إذ لم يقدم البنك المركزي تعهدًا صريحًا بسداد كامل المبالغ، مكتفيًا بالتأكيد على السعي إلى توفير أقصى حماية ممكنة للمودعين.
ويتوقف استرداد المبالغ التي تتجاوز حدود الضمان على نتائج عمليات التسوية والتصفية، وحجم الأصول التي يمكن استردادها وتوزيعها على الدائنين.
هل تنتقل عدوى أزمة أوينو إلى البنوك الرقمية حول العالم؟
أعادت الأزمة تسليط الضوء على المخاطر المرتبطة بالتوسع المتسارع في الخدمات المصرفية الرقمية، خاصة مع اعتماد مليارات المستخدمين حول العالم على التطبيقات الإلكترونية في إدارة أموالهم ومدخراتهم وتحويلاتهم.
وتشير تقديرات السوق الواردة في البيانات المتداولة إلى أن عدد مستخدمي الخدمات المصرفية الرقمية عالميًا يبلغ نحو 4.2 مليار مستخدم، بما يمثل قرابة 53% من سكان العالم، في حين يضم القطاع أكثر من 750 بنكًا رقميًا بالكامل.
وتتصدر الصين الأسواق العالمية في هذا المجال، بحصة تقدر بنحو 25% من إجمالي المستخدمين، ويأتي بنك «وي بنك» (WeBank) ضمن أكبر المؤسسات الرقمية، بقاعدة عملاء تقدر بنحو 399 مليون مستخدم.
كما يبرز بنك «نو بنك» (Nubank) البرازيلي، الذي تجاوزت قاعدة عملائه 100 مليون مستخدم، باعتباره أحد أبرز نماذج التوسع في الخدمات المصرفية الرقمية.
وتعكس هذه الأرقام حجم الاعتماد العالمي المتزايد على المؤسسات المالية الرقمية، ومدى اتساع نطاق تأثير أي أزمة تتعلق بالثقة أو السيولة أو سلامة الأصول المصرفية.
البنوك الرقمية في المنطقة العربية.. نمو متسارع وملايين المستخدمين
لم تكن الأسواق العربية بعيدة عن موجة التحول نحو الخدمات المصرفية الرقمية، إذ شهدت السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا في اعتماد العملاء على التطبيقات والمنصات المصرفية، مدفوعًا باستراتيجيات التحول الرقمي وانتشار خدمات الاتصالات والهواتف الذكية.
وتبرز المملكة العربية السعودية ضمن الأسواق النشطة في هذا المجال، مع توسع المؤسسات المصرفية الرقمية، ومنها «STC Bank»، الذي تشير البيانات الواردة إلى استقطابه أكثر من مليوني عميل خلال ثلاثة أشهر من إطلاقه.
وفي الإمارات، ارتفعت معدلات استخدام الخدمات المصرفية الرقمية، حيث تشير البيانات المصرفية إلى أن نحو 91% من عملاء البنوك يستخدمون الخدمات الرقمية بصورة أساسية.
أما في مصر، فيمتلك البنك التجاري الدولي (CIB) قاعدة عملاء رقمية نشطة تتجاوز 2.1 مليون مستخدم، بينما ارتفع عدد مستخدمي الخدمات المصرفية عبر الإنترنت والهاتف المحمول في الأردن إلى نحو 5.4 مليون مستخدم.
وتطرح أزمة بنك أوينو تساؤلات مهمة أمام هذه الأسواق بشأن ضرورة تعزيز الرقابة على المؤسسات الرقمية، والتأكد من كفاية رؤوس الأموال والسيولة، وشفافية التعاملات، ووجود ضمانات فعالة لحماية أموال العملاء.
أزمة أوينو.. جرس إنذار لمستقبل البنوك الرقمية
تكشف أزمة بنك «أوينو» أن التحول الرقمي في القطاع المصرفي، رغم ما يوفره من سهولة وسرعة في التعاملات، لا يلغي المخاطر التقليدية المرتبطة بالسيولة والملاءة المالية وسوء الإدارة والحوكمة.
كما تؤكد أن حماية أموال العملاء لا ترتبط فقط بكفاءة التطبيقات والمنصات الإلكترونية، وإنما تعتمد بصورة أساسية على قوة الرقابة المصرفية، وشفافية المؤسسات، والالتزام بمعايير إدارة المخاطر، ووجود أنظمة واضحة لضمان الودائع والتعامل مع حالات التعثر.
وبينما تنتظر ملايين الأسر في باراجواي تسوية أوضاع حساباتها واستعادة قدرتها على الوصول إلى مدخراتها، تظل الأزمة اختبارًا مهمًا لثقة الجمهور في مستقبل الخدمات المصرفية الرقمية، ورسالة تحذير بضرورة ألا يسبق التوسع التكنولوجي بناء منظومة رقابية ومالية قادرة على حماية حقوق المودعين.

