الذهب يكسر حاجز 4000 دولار للأونصة.. ارتفاع النفط وعوائد السندات يضغطان على الأسعار العالمية
شهدت أسعار الذهب عالميًا موجة من التراجع الحاد، دفعت المعدن الأصفر إلى الهبوط دون مستوى 4000 دولار للأونصة، وسط ضغوط متزايدة من ارتفاع أسعار النفط وعوائد السندات الأمريكية، إلى جانب اضطرابات أسواق الأسهم وزيادة احتياجات المستثمرين إلى السيولة.
وبحسب البيانات الواردة، تراجعت عقود الذهب الآجلة تسليم ديسمبر بنسبة 4.1% خلال أسبوع، في أكبر انخفاض أسبوعي منذ يونيو، بينما ابتعدت الأسعار بنحو 29% عن القمة التاريخية المسجلة في أواخر يناير، عندما اقتربت الأونصة من 5600 دولار.
ويثير هذا التراجع تساؤلات بشأن مستقبل أسعار الذهب، وما إذا كانت الأسواق تمر بمرحلة تصحيح مؤقت أم تتجه إلى موجة هبوط أطول، في ظل استمرار التغيرات الاقتصادية والجيوسياسية.
أسعار الذهب عالميًا تهبط دون 4000 دولار
تراجعت أسعار الذهب إلى أقل من 4000 دولار للأونصة، بالتزامن مع زيادة الضغوط على الأسواق المالية العالمية، وفقًا للأرقام الواردة.
وسجلت العقود الآجلة تسليم ديسمبر انخفاضًا أسبوعيًا بلغ 4.1%، لتواصل الابتعاد عن المستويات القياسية التي بلغتها في أواخر يناير.
ويأتي هذا التراجع رغم المكانة التقليدية للذهب باعتباره أحد الملاذات الآمنة خلال فترات عدم الاستقرار، ما يعكس تأثير عوامل أخرى مرتبطة بالفائدة والسيولة وتحركات المستثمرين.
ارتفاع أسعار النفط يزيد الضغوط على الذهب
يمثل صعود أسعار النفط أحد العوامل المؤثرة في حركة المعدن الأصفر، بعدما تجاوز خام برنت مستوى 117 دولارًا للبرميل، وفقًا للبيانات المذكورة.
ويتزامن ذلك مع تصاعد التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، ما يعزز المخاوف من استمرار الضغوط التضخمية نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة.
وقد تدفع هذه التطورات البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترات أطول، أو تأجيل قرارات خفضها، وهو ما ينعكس على جاذبية الذهب بالنسبة للمستثمرين.
عوائد السندات الأمريكية وتأثيرها على أسعار الذهب
تشكل عوائد السندات الأمريكية المرتفعة أحد أبرز مصادر الضغط على الذهب، نظرًا إلى أن المعدن الأصفر لا يوفر عائدًا دوريًا لحائزيه.
وبحسب البيانات المتداولة، اقترب عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات من مستوى 4.96%.
ويؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة جاذبية الأصول التي توفر دخلًا للمستثمرين، مقارنة بالاحتفاظ بالذهب، ما قد يدفع بعضهم إلى إعادة توزيع استثماراتهم.
وتزداد هذه الضغوط مع توقعات استمرار السياسة النقدية الأمريكية المتشددة لفترة أطول.
لماذا يبيع المستثمرون الذهب خلال اضطرابات الأسواق؟
لا يرتبط تراجع الذهب فقط بارتفاع أسعار الفائدة وعوائد السندات، إذ تلعب احتياجات السيولة دورًا مهمًا في تحركات الأسعار.
فخلال فترات الخسائر الحادة في أسواق الأسهم، خاصة أسهم التكنولوجيا، قد يضطر بعض المستثمرين إلى بيع الذهب والفضة لتوفير الأموال اللازمة لتغطية الالتزامات المالية ونداءات الهامش.
وتحدث نداءات الهامش عندما يحتاج المستثمر إلى توفير ضمانات أو سيولة إضافية للمراكز الاستثمارية الممولة بالاقتراض.
وبالتالي، قد يتعرض الذهب للبيع رغم اعتباره ملاذًا آمنًا، ليس بالضرورة نتيجة تراجع الثقة فيه، وإنما بسبب الحاجة إلى توفير النقد بصورة عاجلة.
مشتريات البنوك المركزية تدعم الطلب على الذهب
في المقابل، تظل مشتريات البنوك المركزية أحد العوامل المهمة الداعمة للطلب العالمي على الذهب خلال المدى الطويل.
وبحسب البيانات المشار إليها، تجاوزت مشتريات البنوك المركزية عالميًا 1000 طن سنويًا خلال الفترة من 2022 إلى 2024.
ويعكس ذلك توجه عدد من السلطات النقدية نحو تنويع احتياطياتها وتقليل الاعتماد النسبي على أصول مقومة بعملات أجنبية محددة.
كما تشير تقديرات منسوبة إلى مجلس الذهب العالمي إلى أن غالبية البنوك المركزية المشاركة في استطلاعاته تتوقع زيادة حيازاتها من الذهب خلال العام المقبل.
ومع ذلك، لا تمنع المشتريات الرسمية حدوث تراجعات سعرية قصيرة الأجل، في ظل استمرار تأثير تدفقات المستثمرين وتوقعات الفائدة وقوة الدولار.
هل تسبب الذهب المخبري في انخفاض الأسعار؟
ظهرت خلال الفترة الأخيرة ادعاءات تتعلق بإمكانية إنتاج الذهب من الزئبق باستخدام عمليات التحويل النووي أو تقنيات الاندماج.
غير أن هذه الادعاءات لا تقدم تفسيرًا موثقًا للتراجع الحالي في الأسعار، إذ يختلف إنتاج ذرات الذهب بوسائل نووية عن توفير كميات تجارية يمكن أن تؤثر في المعروض العالمي.
وتواجه هذه العمليات تحديات علمية وتقنية واقتصادية كبيرة، كما تتطلب بعض الادعاءات المرتبطة بالمواد الناتجة والنظائر المشعة تحققًا علميًا مستقلًا.
وبناءً على المعطيات المذكورة، تظل العوامل المالية والنقدية واحتياجات السيولة أكثر ارتباطًا بحركة الذهب الحالية من فرضيات إنتاج الذهب مخبريًا.
توقعات أسعار الذهب خلال الفترة المقبلة
يتوقف اتجاه الذهب خلال المرحلة المقبلة على مجموعة من العوامل، أبرزها معدلات التضخم، وأسعار الفائدة الأمريكية، وعوائد السندات، وتحركات الدولار، إلى جانب أسعار النفط والتوترات الجيوسياسية.
فإذا استمرت عوائد السندات عند مستويات مرتفعة، وتراجعت احتمالات خفض الفائدة، فقد تظل أسعار الذهب تحت الضغط خلال الأجل القصير.
أما إذا تزايدت المخاطر المالية أو اتجهت توقعات السياسة النقدية نحو خفض الفائدة، فقد يستعيد الذهب جانبًا من جاذبيته الاستثمارية.
هل يستمر هبوط الذهب أم يعود للارتفاع؟
لا يعني هبوط الذهب خلال فترات الاضطراب فقدانه مكانته كأداة للتحوط وتنويع الاستثمارات، إذ تتباين العوامل المؤثرة في أسعاره بين المدى القصير والطويل.
وتتأثر التحركات السريعة باحتياجات المستثمرين إلى السيولة، وتغير العوائد وأسعار الفائدة، بينما يظل الطلب الاستراتيجي من البنوك المركزية عاملًا مهمًا على المدى الطويل.
ويبقى تحديد اتجاه الذهب مرهونًا بتطور المؤشرات الاقتصادية العالمية، ومدى استمرار الضغوط النقدية والمالية، دون إمكانية الجزم بأن التراجع الحالي يمثل بداية موجة هبوط طويلة أو مجرد تصحيح مؤقت.

