القاهرة مباشر

ساكو يطلق نداءً لإنقاذ الوجود المسيحي في العراق.. دعوة لاستثمار طاقات المهجر ووقف نزيف الهجرة

الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 02:18 مـ 15 جمادى أول 1448 هـ
الكاردينال لويس روفائيل ساكو
الكاردينال لويس روفائيل ساكو

وجّه ساكو نداءً بعنوان «نداء إلى النخبة المسيحية العراقية في المهجر»، دعا فيه أبناء الجاليات المسيحية العراقية إلى تجاوز الاكتفاء بالتعبير عن القلق إزاء مستقبل المسيحيين، والعمل على إطلاق مبادرات ملموسة تساعد في الحد من الهجرة وتعزز فرص البقاء في الوطن.

وتقوم رؤية البطريرك الكلداني السابق على الاستفادة من الإمكانات العلمية والاقتصادية والخبرات المهنية والعلاقات الدولية التي يمتلكها العراقيون في الخارج، وتوظيفها لدعم المجتمعات المسيحية داخل البلاد، بما يسهم في توفير مقومات الحياة الكريمة للشباب والعائلات.

وتأتي هذه الدعوة في وقت يواجه فيه الوجود المسيحي العراقي تحديات متراكمة، نتيجة الحروب والاضطرابات الأمنية والعنف الطائفي والتدهور الاقتصادي، وهي عوامل دفعت أعدادًا كبيرة من المسيحيين إلى مغادرة البلاد خلال العقود الماضية.

تراجع ديموغرافي يهدد الوجود المسيحي التاريخي

كان المسيحيون أحد المكونات التاريخية الأساسية للمجتمع العراقي، لكن أعدادهم شهدت تراجعًا ملحوظًا، خصوصًا بعد عام 2003، وصولًا إلى موجة نزوح واسعة عقب سيطرة تنظيم داعش على الموصل ومناطق من سهل نينوى عام 2014، وما رافقها من تهجير للعائلات وتدمير للكنائس والمنازل والممتلكات.

وتشير تقديرات كنسية وحقوقية متداولة إلى أن عدد المسيحيين في العراق، الذي كان يتجاوز المليون قبل عام 2003 وفق بعض التقديرات، انخفض إلى بضع مئات الآلاف، وسط تفاوت في الأرقام نتيجة غياب إحصاءات حديثة ودقيقة تحدد أعداد السكان وفق انتماءاتهم الدينية.

ولا تقتصر تداعيات هذا التراجع على انخفاض عدد السكان، بل تمتد إلى إضعاف البنية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية للمجتمعات المسيحية، مع مغادرة أعداد كبيرة من الكفاءات والأطباء والمهندسين والأكاديميين ورجال الأعمال والمثقفين.

ويرى ساكو أن خسارة هذه الكفاءات تمثل أحد أبرز التحديات، إذ كان من الممكن أن تسهم خبراتها في إعادة إعمار المناطق المتضررة وتنميتها، وتعزيز قدرتها على توفير فرص العمل والخدمات للأجيال الجديدة.

النخب المسيحية في المهجر أمام مسؤولية جديدة

يركز نداء ساكو على ضرورة تحويل نجاح المسيحيين العراقيين في بلدان المهجر إلى قوة داعمة لمجتمعاتهم الأصلية، من خلال بناء علاقات تعاون مستدامة بين أصحاب الخبرات والمؤسسات المحلية، وتشجيع الاستثمار ونقل المعرفة وتطوير المبادرات التعليمية والاقتصادية.

وتتجاوز هذه الرؤية مفهوم المساعدات الفردية أو الزيارات العائلية والمناسبات الدينية، لتطرح نموذجًا للتعاون المؤسسي الذي يربط الجاليات بالخارج باحتياجات المجتمعات الموجودة داخل العراق.

ويبرز هذا التوجه أهمية دور رجال الأعمال والأكاديميين والمثقفين وأصحاب المهن المتخصصة في دعم المناطق المسيحية، ليس فقط من خلال التمويل، وإنما أيضًا عبر توفير الخبرات الفنية والإدارية وفتح آفاق جديدة أمام الشباب.

الانقسامات السياسية تضعف وحدة الموقف المسيحي

لا يعزو ساكو تراجع الوجود المسيحي إلى التحديات الأمنية والاقتصادية وحدها، بل يلفت أيضًا إلى أثر ضعف مؤسسات الدولة وتراجع سيادة القانون وغياب الشعور المستدام بالأمان، إلى جانب الانقسامات السياسية والقومية داخل المجتمع المسيحي.

وفي هذا السياق، يدعو إلى مراجعة أداء القوى والأحزاب المسيحية، وتغليب المصالح المشتركة على الخلافات الحزبية، بما يعزز قدرتها على الدفاع عن حقوق المسيحيين والتعبير عن مطالبهم بصورة أكثر فاعلية.

كما يشدد على ضرورة احترام الهويات الكلدانية والآشورية والسريانية وخصوصياتها الثقافية والتاريخية، مع العمل على جعل هذا التنوع مصدرًا للتعاون والتكامل، بدلًا من أن يتحول إلى عامل إضافي للانقسام.

ويؤكد ساكو كذلك أهمية الحفاظ على استقلال المؤسسات الكنسية عن التدخلات السياسية والحزبية، حتى تتمكن من أداء أدوارها الروحية والاجتماعية والإنسانية بعيدًا عن الاستقطابات التي قد تؤثر في وحدة المجتمع وثقته بمؤسساته.

الاستثمار وخلق فرص العمل لمواجهة الهجرة

يمثل الجانب الاقتصادي أحد المحاور الرئيسية في رؤية ساكو، إذ يدعو إلى تشجيع رجال الأعمال والمستثمرين المسيحيين في الخارج على إقامة مشروعات صغيرة ومتوسطة داخل المناطق ذات الوجود المسيحي، لا سيما في سهل نينوى والقرى والبلدات التاريخية.

وتشمل المجالات المقترحة الزراعة والصناعات الغذائية والسياحة الدينية والثقافية وقطاعات الخدمات، بما يتيح توفير فرص عمل جديدة، ويساعد على تحريك النشاط الاقتصادي في المناطق التي عانت من النزوح والتدمير.

وتستهدف هذه المبادرات معالجة أحد أبرز دوافع الهجرة، والمتمثل في محدودية فرص العمل وضعف الاستقرار الاقتصادي، خاصة بين الشباب الذين يواجهون خيارات صعبة بين البطالة والبحث عن مستقبل أفضل خارج البلاد.

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية تجاوز مفهوم إعادة الإعمار الذي يقتصر على ترميم الكنائس والمنازل، إلى مشروع تنموي أشمل يوفر فرص العمل والتعليم والرعاية الصحية والخدمات الأساسية، ويمنح العائلات أسبابًا واقعية للاستقرار.

فإعادة بناء المنشآت وحدها لا تضمن عودة الحياة إلى البلدات التي تعرضت للتهجير، ما لم تتوافر بيئة اقتصادية واجتماعية تسمح للسكان بإعادة بناء مستقبلهم.

إصلاح سياسي وثقافي لحماية المجتمع

على المستوى السياسي، يدعو ساكو إلى التفكير في تأسيس إطار مدني وديمقراطي يحترم التعددية، ويعزز المشاركة السياسية للمسيحيين، ويدافع عن حقوقهم الدستورية والثقافية والوطنية بعيدًا عن الانقسامات الحزبية والقومية.

وتعكس هذه الرؤية إدراكًا بأن حماية الوجود المسيحي تتطلب أكثر من مبادرات اقتصادية، إذ ترتبط أيضًا بوجود مؤسسات وطنية قادرة على ضمان المواطنة المتساوية، وحماية الممتلكات والحريات الدينية، ومنع التمييز وتوفير بيئة آمنة لجميع المواطنين.

ويمتد اهتمام ساكو إلى البعد الثقافي، إذ يشدد على أهمية القراءة والحوار الجاد والنقد الموضوعي، في مواجهة السجالات القائمة على معلومات غير مكتملة أو اتهامات غير موثقة.

ويضع هذا الجانب مسألة بناء الوعي في قلب الجهود الرامية إلى حماية المجتمع المسيحي، باعتبار أن تعزيز الثقافة والحوار واحترام الاختلاف عوامل ضرورية لتقوية الروابط الاجتماعية وتجاوز الخلافات الداخلية.

مؤتمر تشاوري لتحويل المبادرات إلى خطوات عملية

في محاولة لنقل هذه الأفكار من إطار الدعوات إلى التنفيذ، اقترح ساكو عقد مؤتمر تشاوري يضم ممثلين عن المسيحيين العراقيين في الداخل والمهجر، إلى جانب شركائهم من مختلف مكونات المجتمع العراقي.

ويستهدف المؤتمر، وفق التصور المطروح، مناقشة التحديات التي تواجه الوجود المسيحي، ووضع برنامج عمل مشترك يتضمن أولويات واضحة ومسؤوليات محددة وآليات لمتابعة النتائج.

ولا تقتصر أهمية هذه الخطوة على جمع الشخصيات والفعاليات المسيحية، بل تتمثل في إمكانية تأسيس تعاون مستدام تتكامل فيه أدوار رجال الأعمال والأكاديميين والمثقفين والسياسيين والمؤسسات الكنسية والمدنية.

ويظل التحدي الأساسي هو قدرة هذه الأطراف على تحويل النقاشات والتوصيات إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، يمكن قياس أثرها في حياة السكان، سواء من خلال توفير فرص العمل أو تحسين الخدمات أو دعم التعليم وتعزيز المشاركة المدنية.

هل تنجح الجاليات العراقية في وقف نزيف الهجرة؟

يفتح نداء ساكو الباب أمام تساؤل مهم بشأن قدرة الجاليات المسيحية العراقية في أوروبا وأمريكا وأستراليا على الإسهام في إنعاش بلداتها الأصلية، مستفيدة من حضورها العلمي والاقتصادي في المجتمعات التي استقرت فيها.

فالتحدي لا يتمثل فقط في الحفاظ على الصلة العاطفية بالعراق، وإنما في تحويل هذه الصلة إلى استثمارات ومؤسسات ومبادرات توفر فرصًا حقيقية للأجيال الجديدة، وتحد من تحول الهجرة إلى مسار يصعب الرجوع عنه.

وتكشف التجربة العراقية أن أزمة الوجود المسيحي تتجاوز حدود القضية الدينية أو الكنسية، لتتصل بمستقبل التعددية الثقافية والدينية في البلاد. فالمسيحيون جزء أصيل من تاريخ العراق، وأسهموا عبر قرون في حياته العلمية والثقافية والاقتصادية والوطنية.

ومن ثم، فإن استمرار تراجع أعدادهم لا يعني فقط انحسار جماعة دينية، بل يمثل أيضًا خسارة لجزء من الذاكرة التاريخية والتنوع الاجتماعي العراقي.

الحفاظ على البشر قبل الحجر

تتمثل الرسالة الأساسية التي يحملها نداء ساكو في ضرورة الانتقال من التعبير عن الخوف على مستقبل المسيحيين إلى معالجة الأسباب التي تدفعهم إلى الرحيل، ومن المطالبة بوقف الهجرة إلى تهيئة الظروف التي تجعل البقاء خيارًا آمنًا وممكنًا وكريمًا.

فالحفاظ على الوجود المسيحي لا يتحقق بمطالبة العائلات بالبقاء رغم الصعوبات، بل بتوفير فرص العمل والأمان والخدمات والتعليم، وضمان الحقوق والحريات، وإيجاد بيئة تسمح للشباب ببناء مستقبلهم داخل وطنهم.

وبينما تواجه بعض البلدات المسيحية التاريخية خطر تراجع أعداد سكانها، تبرز مسؤولية النخب العراقية في الخارج في تحويل خبراتها وإمكاناتها إلى مشروعات ومؤسسات قادرة على دعم المجتمعات المحلية.

وفي جوهر هذه القضية، لا يقتصر الرهان على حماية الكنائس والأديرة والمواقع التاريخية، بل يمتد إلى الحفاظ على البشر الذين يمنحونها الحياة والمعنى؛ فالمباني قد تبقى قائمة، لكن استمرار المجتمعات التي نشأت حولها يتطلب وجود أجيال جديدة قادرة على العيش والعمل والتمسك بحقها في البقاء على أرض أجدادها.