الحيتان تغني مثل البشر؟.. أبحاث تكشف أسرار لغة غامضة تنتقل عبر المحيطات
كشفت أبحاث علمية حديثة عن أوجه تشابه مثيرة بين أغاني الحيتان السنامية واللغة البشرية، بعدما أظهرت أن الأصوات التي تصدرها هذه الكائنات البحرية تتبع أنماطًا منظمة، وتتغير بمرور الوقت، وتنتقل بين جماعات الحيتان بطريقة تشبه انتقال المعرفة والثقافة بين البشر.
وبحسب تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، ساهم اكتشاف أغاني الحيتان وتسجيلها على مدار عقود في تغيير نظرة العالم إلى هذه الكائنات، بعدما تبين أن أصواتها ليست مجرد نداءات عشوائية، وإنما تتضمن تسلسلات متكررة وأنماطًا صوتية معقدة.
أغاني الحيتان تكشف تشابهًا مع اللغة البشرية
أظهرت الدراسات أن أغاني الحيتان السنامية تتميز بوجود تسلسلات صوتية منظمة تتكرر وفق أنماط محددة، كما أنها تتطور بمرور الوقت.
ورصد الباحثون تشابهًا بين بعض الخصائص التنظيمية لهذه الأغاني والأنماط الموجودة في اللغة البشرية، خاصة فيما يتعلق بتكرار الوحدات الصوتية وانتقالها بين أفراد الجماعة.
ولا يعني هذا التشابه أن الحيتان تستخدم لغة بشرية أو تمتلك نظامًا لغويًا مطابقًا للإنسان، لكنه يكشف عن درجة من التعقيد في طرق التواصل والتعلم الاجتماعي لدى هذه الكائنات.
كيف اكتشف العلماء أغاني الحيتان؟
تعود إحدى المحطات المهمة في اكتشاف أغاني الحيتان إلى عام 1952، عندما كان مهندس السونار الأمريكي فرانك واتلينغتون يعمل على رصد الغواصات السوفيتية والنشاط الزلزالي قبالة جزيرة برمودا.
وخلال عمله، التقط جهاز تسجيل الأصوات تحت الماء، المعروف باسم «الهيدروفون»، أصواتًا غامضة استمر بعضها لساعات.
ورجح واتلينغتون أن تلك الأصوات تعود إلى الحيتان السنامية، وهو ما أكدته الأبحاث العلمية اللاحقة.
وفي عام 1967، عرض التسجيلات على عالمي الصوتيات البيولوجية روجر باين وزوجته كيتي، اللذين درساها بالتعاون مع باحثين آخرين.
واكتشف الباحثون أن الأصوات تتكرر في تسلسلات منظمة، وأن الأغنية الواحدة قد تستمر نحو نصف ساعة قبل أن تبدأ من جديد.
اكتشاف تسجيل أقدم يعود إلى عام 1949
شهد عام 2026 الكشف عن تسجيل أقدم لأصوات الحيتان السنامية، يعود إلى عام 1949 قبالة برمودا.
وكان الباحثون الذين التقطوا التسجيل في ذلك الوقت يعتقدون أن الأصوات صادرة عن أسماك، قبل أن يُعاد التعرف عليها لاحقًا باعتبارها أصوات حيتان.
ويبرز هذا الاكتشاف أهمية التسجيلات الصوتية القديمة في دراسة الحياة البحرية، وإعادة تفسير الظواهر التي لم تكن مفهومة وقت توثيقها.
ألبوم أغاني الحيتان يحقق انتشارًا عالميًا
سعى العالم روجر باين إلى تعريف الجمهور بالأصوات المميزة للحيتان السنامية، من خلال تشغيل التسجيلات في المؤتمرات والتجمعات والحملات المناهضة لصيد الحيتان.
وفي عام 1970، أصدر بالتعاون مع كيتي باين وفرانك واتلينغتون ألبوم «أغاني الحوت السنامي»، الذي حقق انتشارًا واسعًا.
ووفقًا للتقرير، تجاوزت مبيعات الألبوم 125 ألف نسخة، كما جرى توزيع مقطع من التسجيلات على نحو 10.5 مليون مشترك في مجلة «ناشيونال جيوغرافيك».
وأسهم انتشار تلك الأصوات في تعريف ملايين الأشخاص بقدرات الحيتان الصوتية، بعدما كانت هذه الكائنات تُعرف لدى قطاعات واسعة من الجمهور بصورة مختلفة.
أصوات الحيتان تصل إلى الفضاء
لم يقتصر تأثير تسجيلات الحيتان على الأبحاث العلمية، بل امتد إلى الموسيقى والسينما والثقافة الشعبية.
فقد ظهرت أصوات الحيتان في أعمال موسيقية مختلفة، إلى جانب فيلم «ستار تريك» الصادر عام 1986.
وفي عام 1977، أُدرج مقطع من أصوات الحيتان ضمن السجل الذهبي الذي حمله مسبار الفضاء «فوياجر 1».
وجاءت هذه الخطوة ضمن مجموعة من الأصوات والتسجيلات المختارة لتمثيل جانب من تنوع الحياة والثقافة على كوكب الأرض.
كيف ساهمت أغاني الحيتان في حمايتها من الصيد؟
جاء انتشار ألبوم أغاني الحيتان خلال فترة كانت تتعرض فيها أعداد كبيرة من الحيتان للتهديد بسبب الصيد الجائر.
وساهمت التسجيلات، إلى جانب الصور التي وثقتها منظمة «جرينبيس» للحيتان المصابة بحراب الصيد، في زيادة اهتمام الجمهور بحماية هذه الكائنات البحرية.
وتزامنت تلك الجهود مع إقرار الولايات المتحدة قانون حماية الثدييات البحرية عام 1972.
كما اعتمد حظر دولي على الصيد التجاري للحيتان عام 1982، وبدأ تطبيقه في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، ما ساهم في تعافي أعداد من الحيتان السنامية.
لماذا تغني الحيتان السنامية؟
لا يزال السبب الدقيق وراء إصدار الحيتان السنامية لأغانيها محل بحث علمي.
ويرجح بعض العلماء أن الأغاني ترتبط بسلوك التزاوج، نظرًا إلى أن الذكور هي التي تصدرها.
وفي المقابل، يرى باحثون آخرون أن هذه الأصوات قد تؤدي دورًا في التواصل بين الحيتان عبر المسافات الطويلة.
وتشير الملاحظات إلى أن ذكور الحيتان في المنطقة الواحدة تشترك في أنماط صوتية متقاربة، قبل أن تتغير تلك الأنماط تدريجيًا بمرور الوقت.
الحيتان تتبادل الأغاني عبر المحيطات
أظهرت الأبحاث أن أغاني الحيتان السنامية لا تظل ثابتة، وإنما تتغير وتنتقل بين مجموعات مختلفة عبر مسافات واسعة.
ويعتبر الباحثون هذه الظاهرة شكلًا من أشكال انتقال الثقافة لدى الحيوانات، إذ يمكن لأفراد جماعة معينة تعلم أنماط صوتية جديدة من جماعات أخرى.
ويكشف ذلك عن قدرة الحيتان على التعلم الاجتماعي ونقل السلوكيات الصوتية، بدلًا من الاعتماد فقط على أنماط ثابتة لا تتغير.
لغة النقرات لدى حيتان العنبر
لا تقتصر أنظمة التواصل المعقدة على الحيتان السنامية، إذ كشفت دراسات أخرى عن استخدام حيتان العنبر تسلسلات من النقرات الصوتية تُعرف باسم «الكودا».
وتختلف هذه التسلسلات بين المناطق والجماعات، وهو ما يثير اهتمام الباحثين بدراسة وظائفها وطرق انتقالها.
وتساعد المقارنة بين أصوات أنواع الحيتان المختلفة على توسيع فهم العلماء لأساليب التواصل تحت الماء.
أصوات الحيتان الزرقاء تصل لمسافات هائلة
تتميز الحيتان الزرقاء بإصدار نداءات منخفضة التردد، يمكن أن تنتقل عبر مياه المحيط لمسافات كبيرة.
ووفقًا للتقرير، قد تصل المسافة التي تقطعها بعض هذه الأصوات إلى نحو 1600 كيلومتر.
وتُظهر هذه القدرة أهمية الصوت في البيئة البحرية، خاصة بالنسبة للكائنات التي تعيش في مساحات شاسعة من المحيطات.
الحيتان لا تزال تواجه خطر الانقراض
رغم التقدم في جهود الحماية الدولية، لا تزال الحيتان تواجه عددًا من التهديدات المرتبطة بالأنشطة البشرية والتغيرات البيئية.
وتشمل هذه المخاطر اصطدام السفن بالحيتان، والتشابك في شباك ومعدات الصيد، والتلوث الضوضائي تحت الماء، إلى جانب ارتفاع درجات حرارة البحار.
وتشير تقديرات أوردها التقرير إلى أن نحو نوع واحد من كل أربعة أنواع من الحيتان يواجه خطر الانقراض، مقارنة بنوع واحد من كل سبعة أنواع عام 1991.
وتبرز هذه الأرقام استمرار الحاجة إلى برامج الحماية والبحث العلمي لفهم التحديات التي تواجه الحيتان.
التسجيلات القديمة تكشف أسرار المحيطات
أكدت أليسا وايل، المسؤولة عن أرشفة التسجيلات الصوتية في مؤسسة «أوشن أليانس»، أهمية الاحتفاظ بالتسجيلات البحرية القديمة وإعادة دراستها.
وأوضحت أن هذه المواد تسمح للباحثين بمقارنة أصوات المحيطات عبر فترات زمنية مختلفة، ورصد التغيرات التي طرأت على البيئة الصوتية البحرية.
وتوفر التسجيلات التاريخية بيانات مهمة لدراسة سلوك الحيتان، والتعرف على مدى تأثرها بالضوضاء البشرية والتحولات البيئية.
كيف غيرت أغاني الحيتان نظرة البشر إلى المحيطات؟
يرى باحثون أن أحد أبرز آثار تسجيل أغاني الحيتان يتمثل في تغيير الصورة الذهنية لهذه الكائنات لدى الجمهور.
فبعد أن كانت الحيتان تُعرف بصورة أساسية باعتبارها حيوانات بحرية ضخمة، كشفت التسجيلات عن قدراتها الصوتية وأنماطها الاجتماعية المعقدة.
وساهم هذا التحول في تعزيز الاهتمام بدراسة الحيتان وحمايتها، بينما تواصل الأبحاث الحديثة الكشف عن تفاصيل جديدة بشأن التواصل والتعلم وانتقال الثقافة بين الكائنات البحرية.

