بعد 20 عامًا.. حكم جديد بشأن كارثة العبارة السلام ومقتل 1034 شخصًا
أصدرت محكمة جنوة المدنية في إيطاليا حكمًا بإلزام شركة «رينا» المتخصصة في تصنيف السفن وإصدار الشهادات الفنية البحرية، بدفع تعويضات تبلغ 60 مليون يورو لأسر ضحايا وناجين من كارثة غرق العبارة «السلام بوكاتشيو 98»، التي وقعت في البحر الأحمر عام 2006 أثناء رحلتها من ميناء ضبا السعودي إلى ميناء سفاجا المصري.
ويأتي الحكم بعد مرور أكثر من 20 عامًا على الحادث المأساوي الذي هز الرأي العام، وأسفر عن وفاة 1034 شخصًا وإصابة 386 آخرين، وسط استمرار المطالبات بتحقيق العدالة لأسر الضحايا ومحاسبة الجهات التي ثبتت مسؤوليتها عن أوجه القصور المرتبطة بسلامة السفينة.
وبحسب تفاصيل الحكم الابتدائي، تشمل التعويضات نحو 700 من أقارب الضحايا والناجين، استنادًا إلى حيثيات قضائية أُودعت في 17 سبتمبر الماضي، وأُعلن عنها خلال أكتوبر الجاري، في تطور جديد يعيد ملف الكارثة إلى الواجهة بعد سنوات طويلة من وقوعها.
تفاصيل حكم محكمة جنوة بشأن غرق العبارة السلام 98
قضت المحكمة المدنية في مدينة جنوة الإيطالية بمسؤولية شركة «رينا» عن أوجه قصور مرتبطة بتصنيف العبارة واعتمادها من الناحية الفنية، وألزمتها بسداد التعويضات المقررة للمتضررين من حادث الغرق الذي وقع خلال ليلة الثاني والثالث من فبراير عام 2006.
وكانت العبارة في طريقها من ميناء ضبا السعودي إلى ميناء سفاجا المصري، عندما اندلع حريق داخل مرآب السفينة، لتتطور الأحداث لاحقًا إلى فقدانها الاتزان وانقلابها وغرقها في مياه البحر الأحمر.
وتناول الحكم مسؤولية الشركة في إطار دورها المتعلق بفحص السفينة واعتماد شهادات السلامة الخاصة بها، ومدى كفاية الإجراءات الفنية والتعليمات التي كان من المفترض توفيرها لضمان قدرة الطاقم على التعامل مع المخاطر والطوارئ.
ويمثل القرار تطورًا قضائيًا مهمًا في ملف الكارثة، خاصة أن التعويضات تشمل عددًا كبيرًا من الأسر التي فقدت ذويها، إلى جانب ناجين تضرروا من الحادث، في حين تعكس حيثيات الحكم أهمية الالتزام بمعايير السلامة البحرية وعدم الاكتفاء بالإجراءات الشكلية الخاصة باعتماد السفن.
أوجه القصور في إجراءات السلامة البحرية
استندت المحكمة إلى تقرير فني موسع تناول جوانب متعددة من أداء الشركة، وخلص إلى وجود أوجه قصور في أعمال التصنيف والاعتماد والرقابة على سلامة العبارة.
ورأت المحكمة أن الشركة كانت مطالبة، بحكم طبيعة عملها، بالتأكد من توضيح الخصائص الفنية التي قد تشكل مخاطر على السفينة داخل الوثائق التشغيلية، فضلًا عن التحقق من قدرة القبطان وأفراد الطاقم على التعامل مع تلك المخاطر في حالات الطوارئ.
ومن أبرز النقاط التي تناولها التقرير تصميم فتحات تصريف الهواء المرتبطة بخزانات الاتزان، والتي كانت تسمح بوصول المياه إلى مرآب السفينة بدلًا من تصريفها إلى البحر، وهو ما أسهم في تفاقم الأزمة خلال محاولة السيطرة على الحريق وموازنة العبارة.
وأشار التقييم الفني إلى أن هذه الخاصية لم تكن موضحة بصورة كافية في المستندات الفنية، كما لم تُترجم إلى تعليمات تشغيلية واضحة يمكن للطاقم الاستناد إليها عند مواجهة ظروف استثنائية.
ووفقًا لما ورد في حيثيات القضية، حددت المحكمة 22 وجهًا من أوجه القصور والإهمال المرتبطة بسلامة السفينة وإجراءات اعتمادها، ومدى كفاية التعليمات المقدمة إلى القبطان والطاقم، إلى جانب جوانب تتعلق بالتدريب ومتابعة تدريبات السلامة البحرية.
كيف أدى تراكم المياه إلى انقلاب العبارة وغرقها؟
وقعت كارثة العبارة السلام 98 على بعد نحو 57 ميلًا بحريًا من مدينة الغردقة على ساحل البحر الأحمر، بعدما اندلع حريق داخل مرآب السفينة خلال رحلتها البحرية.
ووفقًا للتقرير الفني الذي استندت إليه المحكمة، حاول القبطان إخماد الحريق باستخدام نظام لمكافحة النيران يعتمد على ضخ المياه، إلا أن تصريف المياه المتراكمة داخل السفينة واجه صعوبات، بالتزامن مع تعطل مضخات التصريف، ما أدى إلى زيادة كمية المياه الموجودة على السطح الرئيسي.
ومع استمرار تراكم المياه، بدأت العبارة تميل تدريجيًا نحو الجانب الأيمن، الأمر الذي دفع القبطان إلى محاولة إعادة التوازن من خلال استخدام خزانات المياه الموجودة على الجانب الأيسر.
لكن هذه المناورة أدت إلى نتائج عكسية، إذ وصلت كميات إضافية من المياه إلى مرآب السفينة عبر فتحات التهوية المرتبطة بخزانات الاتزان، بدلًا من تصريفها إلى البحر، وهو ما زاد من حدة الميل وأضعف قدرة العبارة على استعادة توازنها.
ومع تزايد كمية المياه داخل السفينة واستمرار اختلال الاتزان، تسارعت عملية الميل حتى انقلبت العبارة وغرقت، في واحدة من أكثر حوادث النقل البحري مأساوية في تاريخ مصر الحديث.
تعويضات أسر الضحايا والمصروفات القانونية
لم يقتصر الحكم الصادر عن محكمة جنوة على التعويضات المرتبطة بفقدان الأقارب والناجين المتضررين، بل تضمن أيضًا مصروفات قانونية بلغت نحو 3.5 مليون يورو.
كما شمل القرار استكمال تعويضات لبعض النساء من أسر الضحايا اللاتي سبق لهن الحصول على مبالغ تعويضية، في إطار تسوية الحقوق المالية التي تناولها الحكم.
وتعكس هذه التفاصيل اتساع نطاق القضية، التي لم تقتصر على تحديد المسؤولية الفنية عن الحادث، بل امتدت إلى تقييم الأضرار التي لحقت بالأسر والناجين، وتحديد التعويضات المستحقة وفقًا للنتائج التي انتهت إليها المحكمة.
ومن المنتظر أن يظل الحكم محل اهتمام أسر الضحايا والمتابعين للقضية، باعتباره خطوة قضائية جديدة بعد مرور عقدين على الكارثة، بينما يظل تنفيذ الالتزامات المالية المقررة جزءًا أساسيًا من استكمال الإجراءات المرتبطة بالتعويض.
كارثة العبارة السلام 98 بعد 20 عامًا على الحادث
أعادت التعويضات التي أقرتها المحكمة الإيطالية تسليط الضوء على حادث العبارة السلام 98، الذي وقع في فبراير 2006 وأسفر عن وفاة 1034 شخصًا وإصابة 386 آخرين، وفق الأرقام الواردة في تفاصيل القضية.
وتبرز نتائج التحقيق الفني أهمية تطبيق معايير السلامة البحرية بصورة دقيقة، وضمان أن تعكس الشهادات الفنية والمستندات التشغيلية المخاطر المحتملة على السفن، مع توفير التدريب المناسب للقباطنة وأفراد الطواقم على التعامل مع حالات الطوارئ.
كما توضح القضية أن أوجه القصور في تصميم أنظمة التصريف أو عدم وضوح التعليمات الخاصة بتشغيلها يمكن أن تتحول إلى عوامل شديدة الخطورة عندما تتزامن مع حريق أو عطل فني أو اضطراب في اتزان السفينة.
وبعد مرور أكثر من 20 عامًا على الحادث، يمثل الحكم الصادر في إيطاليا تطورًا جديدًا في مسار المطالبات القضائية بالتعويض، ويعيد التأكيد على أهمية المساءلة عن أوجه الإهمال الفني التي يمكن أن تهدد حياة الركاب وأطقم السفن.

