من الأولمبيا إلى «عدى النهار».. أم كلثوم وعبد الحليم في مواجهة الهزيمة
بعد أشهر قليلة من هزيمة يونيو 1967، وقفت أم كلثوم على مسرح الأولمبيا في باريس خلال شهر نوفمبر من العام نفسه، أمام جمهور ضم أوروبيين وأفرادًا من الجاليات العربية، في حفلتين اكتسبتا أهمية تتجاوز الجانب الفني، ضمن جولات هدفت إلى دعم المجهود الحربي وجمع التبرعات.
كانت «الست» قد خرجت من صدمة الهزيمة إلى مساحة مختلفة، لم يعد فيها صوتها مجرد وسيلة للطرب، بل أصبح جزءًا من محاولة استعادة الروح الوطنية ورفع المعنويات في مرحلة شديدة الصعوبة.
أم كلثوم.. من مسرح الأولمبيا إلى المجهود الحربي
تحولت حفلات أم كلثوم داخل مصر وخارجها إلى إحدى الوسائل التي شاركت من خلالها في دعم المجهود الحربي، واستمرت جولاتها لسنوات، متنقلة بين مدن مصرية وعواصم عربية وأوروبية.
وفي باريس، لم تكن أم كلثوم تقدم حفلة موسيقية فحسب، بل كانت تحمل معها صورة مصر التي خرجت من واحدة من أصعب مراحلها، لتقف على مسرح شهد حضور كبار نجوم العالم.
واكتسب وجود مطربة مصرية بحجم أم كلثوم في تلك الفترة دلالات فنية وإنسانية ووطنية، خاصة أن مكانتها الجماهيرية جعلت حفلاتها قادرة على الحشد وجمع التبرعات والمشاركة في دعم الدولة خلال سنوات الحرب.
حضور أم كلثوم.. قوة تتجاوز الأغنية
تميزت تجربة أم كلثوم بأن تأثيرها لم يكن مرتبطًا فقط بالكلمات والألحان، وإنما بحضورها الشخصي ومكانتها لدى الجمهور.
ومن دمنهور والإسكندرية إلى باريس وعدد من العواصم العربية والأوروبية، تحول المسرح بالنسبة إليها إلى مساحة للمشاركة في المجهود الحربي، وأصبحت الحفلة الغنائية تتجاوز كونها مناسبة فنية لتتحول إلى حدث ذي أبعاد وطنية.
ولم تكن أم كلثوم بحاجة إلى تحويل كل أغنية إلى نشيد عسكري مباشر، إذ أصبح حضورها ذاته جزءًا من الحالة الوطنية، مستفيدة من جمهورها الواسع ومكانتها التي امتدت لعقود.
عبد الحليم حافظ.. الأغنية في مواجهة آثار الهزيمة
في المقابل، خاض عبد الحليم حافظ معركته من مساحة مختلفة، من داخل الأغنية نفسها، وبصوت اقترب من مشاعر المواطن والجندي الذي عاش آثار هزيمة 1967.
ولم يعتمد مشروعه بالدرجة نفسها على الحفلات وجمع التبرعات، وإنما ركز على الأغنية التي تصل إلى البيوت عبر الإذاعة، وترافق الناس خلال سنوات الحرب، وتعبر عن مشاعرهم اليومية.
وجاءت أغنية «عدى النهار» من قلب تلك المرحلة، حاملة صورة للحظة شديدة القسوة، ومعبّرة عن حالة شعب عاش آثار الهزيمة وانتظر تجاوزها.
ولم تكن الأغنية مجرد تعبير عن الحزن، وإنما حملت أيضًا معنى الانتظار والأمل في الخروج من تلك المرحلة.
من الحزن إلى التحدي
ومع مرور الوقت، انتقل عبد الحليم من التعبير عن وجع الهزيمة إلى نبرة أكثر حماسًا وتحديًا، وظهرت أعمال مثل «أحلف بسماها»، إلى جانب الأغنيات المرتبطة بسيناء والانتصار.
وأصبحت أغنيات عبد الحليم أشبه بسجل زمني للمشاعر التي مر بها المصريون خلال تلك السنوات؛ فتارة يتحدث بلسان من يعيش آثار الهزيمة، وتارة يعبر عن الأمل في المستقبل، ثم ينتقل إلى صوت الاستعداد للمواجهة والانتصار.
ومن بين أبرز الأعمال التي ارتبطت بتلك المرحلة أغنية «خلي السلاح صاحي»، التي حملت نبرة حماسية خاطبت مشاعر المصريين خلال سنوات الحرب والاستعداد للمعركة.
طريقتان مختلفتان.. وهدف واحد
تكشف المقارنة بين أم كلثوم وعبد الحليم حافظ عن تجربتين مختلفتين في توظيف الفن خلال فترة الحرب.
أم كلثوم خرجت بصوتها إلى العالم، وحولت الحفل والمسرح إلى وسيلة للحشد وجمع التبرعات ودعم المجهود الحربي، مستفيدة من مكانتها الفنية والجماهيرية الواسعة.
أما عبد الحليم، فاختار طريق الأغنية التي تصل إلى البيت والجندي عبر الإذاعة، لتصبح جزءًا من الحياة اليومية للمصريين، وتعبر عن الجرح النفسي الذي خلفته الهزيمة، ثم عن الرغبة في تجاوزها والاستعداد للانتصار.
لم يكن أحدهما نسخة من الآخر، كما لم تكن وسيلة التعبير واحدة، لكنهما التقيا في نقطة أساسية، وهي أن الأغنية في زمن الحرب يمكن أن تتجاوز حدود الفن، وأن يتحول صوت الفنان إلى جزء من ذاكرة شعب يعيش مرحلة استثنائية.
فمن مسرح الأولمبيا في باريس، حملت أم كلثوم صوت مصر إلى الخارج، بينما دخل صوت عبد الحليم إلى البيوت عبر الراديو، لتبقى أعمالهما مرتبطة بمرحلة امتدت من صدمة 1967 إلى أجواء الاستعداد لنصر أكتوبر.

