من هو أحمد مندي.. المعلم الذي بقي في ذاكرة محمد بن زايد 55 عامًا؟
في لفتة تعكس قيمة الوفاء للمعلم، أعاد الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، تسليط الضوء على ذكرى أحد معلمي طفولته، من خلال صورة نادرة تعود إلى أكثر من 55 عامًا، تحمل إهداءً بخط يده إلى معلمه أحمد إبراهيم مندي التميمي.
وتعود الصورة إلى 29 أبريل 1971، عندما كان الشيخ محمد بن زايد طالبًا في الصف الرابع بمدرسة الكندي الابتدائية في أبوظبي، حيث تلقى دروسه على يد المعلم أحمد مندي، قبل أن يحتفظ بهذه الذكرى طوال العقود الماضية.
وكتب الشيخ محمد بن زايد على ظهر الصورة آنذاك: «أهدي صورتي للأستاذ أحمد إبراهيم مندي للذكرى وشكرًا.. محمد زايد»، وهي الكلمات التي عادت إلى الواجهة بعد أكثر من نصف قرن، بالتزامن مع اليوم العالمي للمعلمين.
وجاء نشر الصورة ضمن رسالة وجهها رئيس دولة الإمارات إلى المعلمين، عبّر خلالها عن تقديره لدورهم ورسالتهم في بناء الأجيال.
وقال الشيخ محمد بن زايد: «وليكن هذا اليوم فرصة لنا جميعًا لنتذكر معلمينا ونعبر عن الوفاء لهم. شكرًا لكل معلم ترك أثرًا لا ينسى في حياتنا».
من هو أحمد إبراهيم مندي؟
ينتمي أحمد إبراهيم مندي التميمي إلى جيل المعلمين الأوائل الذين شاركوا في مسيرة بناء التعليم في دولة الإمارات، خلال مرحلة شهدت توسعًا في إنشاء المدارس وترسيخ منظومة التعليم في أبوظبي.
وُلد أحمد مندي عام 1946، وحصل على دبلوم المعلمين في البحرين عام 1968، ثم بدأ مسيرته المهنية في مجال التعليم، حيث عمل في مدرسة محمد بن القاسم الابتدائية، قبل أن ينتقل إلى مدرسة الكندي الابتدائية.
وأمضى مندي نحو ست سنوات في مدرسة الكندي، وخلال تلك الفترة كان الشيخ محمد بن زايد أحد طلابه في الصف الرابع.
واستعاد المعلم الإماراتي في لقاءات صحفية سابقة ذكرياته عن سنوات التدريس، وتحدث عن تلميذه آنذاك، واصفًا الشيخ محمد بن زايد بالأدب والتواضع، كما أشار إلى الاهتمام الذي كان يوليه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، لتعليم أبنائه ومتابعة تحصيلهم الدراسي.
سنوات داخل الفصل صنعت ذكرى لا تُنسى
لم يكن دور أحمد مندي كمعلم مقتصرًا على شرح المناهج الدراسية، إذ كان جيل المعلمين في تلك الفترة يؤدي دورًا تربويًا واسعًا، يشمل متابعة الطلاب والاهتمام بسلوكهم وشخصياتهم، في وقت كانت فيه أبوظبي تشهد خطوات متسارعة نحو تطوير قطاع التعليم.
ورغم انتهاء سنوات العمل داخل الفصل، ظل أثر تلك المرحلة حاضرًا في ذاكرة تلاميذه، ومن بينهم الشيخ محمد بن زايد، الذي احتفظ بصورة طفولته وإهدائه لمعلمه طوال هذه السنوات.
من التعليم إلى العمل الحكومي
بعد سنوات من العمل في مجال التعليم، انتقل أحمد مندي إلى مسار مهني جديد، مع مواصلة دراسته الجامعية.
وحصل عام 1975 على درجة البكالوريوس في الإدارة والاقتصاد من جامعة بيروت العربية، قبل أن ينتقل في عام 1976 من قطاع التعليم إلى العمل الحكومي.
وبدأ مندي مرحلة جديدة من مسيرته من خلال العمل في وزارة الإعلام، ثم انتقل إلى وزارة الداخلية، حيث تولى عددًا من المسؤوليات في مجالات الإدارة والتخطيط.
وتدرج في المناصب حتى أصبح نائبًا للمدير العام للشؤون الإدارية والمالية، قبل أن يتقاعد عام 2008 برتبة عميد.
وبذلك امتدت مسيرته المهنية بين التعليم والعمل الحكومي، إلا أن سنواته الأولى داخل الفصل ظلت جزءًا بارزًا من سيرته، بعدما ارتبط اسمه بمرحلة مهمة من تاريخ التعليم في أبوظبي.
محمد بن زايد يزور معلمه بعد عقود
ولم يكن نشر الصورة في اليوم العالمي للمعلمين أول مناسبة يستعيد فيها الشيخ محمد بن زايد علاقته بمعلمه، إذ سبق أن التقى أحمد مندي بعد عقود من انتهاء سنوات الدراسة.
وفي أكتوبر 2017، زار الشيخ محمد بن زايد معلمه في منزله بمدينة خليفة في أبوظبي، في لقاء أعاد إلى الذاكرة تفاصيل سنوات الدراسة التي جمعت بين الطالب ومعلمه.
وخلال الزيارة، استعاد الطرفان ذكريات المرحلة الدراسية والمواقف التي جمعتهما في مدرسة الكندي، فيما عبّر الشيخ محمد بن زايد عن تقديره لما قدمه معلمه وللدور الذي قام به جيل المعلمين الأوائل في تعليم أبناء الإمارات.
ووصف أحمد مندي زيارة تلميذه السابق له بعد مرور كل هذه السنوات بأنها «وسام على صدر كل معلم»، في تعبير يعكس قيمة اللقاء بالنسبة إليه ودلالة الوفاء التي حملتها الزيارة.
صورة تختصر 55 عامًا من الوفاء
وبين صورة التقطت عام 1971، وإهداء كتبه طالب صغير لمعلمه، ولقاء جمعهما مجددًا عام 2017، ثم إعادة نشر الصورة في 2026، تمتد حكاية أحمد إبراهيم مندي والشيخ محمد بن زايد لأكثر من خمسة عقود.
وتحمل القصة رسالة تتجاوز تفاصيل العلاقة بين طالب ومعلم، لتؤكد أن أثر المعلم قد يستمر مع تلميذه لسنوات طويلة، حتى بعد انتهاء الحصة الدراسية ومرور الأجيال.
فكلمات «للذكرى وشكرًا» التي كتبها الشيخ محمد بن زايد قبل 55 عامًا، عادت اليوم لتجسد معنى الوفاء للمعلم، وتؤكد أن بعض الذكريات لا تمحوها السنوات، وأن أثر المعلم يبقى حاضرًا في حياة تلاميذه مهما ابتعدت الأيام.

