القاهرة مباشر

من عبور القناة إلى مواجهة الإغارة.. بطل مدفعية يستعيد ذكريات أصعب ليالي أكتوبر

الإثنين 5 أكتوبر 2026 12:06 مـ 22 ربيع آخر 1448 هـ
أحد أبطال حرب أكتوبر: المدفعية لعبت دوراً رئيسياً في التمهيد النيراني ومعاونة القوات خلال الحرب
أحد أبطال حرب أكتوبر: المدفعية لعبت دوراً رئيسياً في التمهيد النيراني ومعاونة القوات خلال الحرب

كشف العميد محمد عبد القادر، أحد أبطال سلاح المدفعية خلال حرب أكتوبر 1973، تفاصيل عدد من أصعب المواقف التي عاشها خلال الحرب، مستعرضًا الدور الذي لعبته المدفعية المصرية في تمهيد الطريق أمام القوات خلال عبور قناة السويس والتقدم على الجبهة.

وأوضح عبد القادر أن سلاح المدفعية يتميز بقوة النيران، ويتركز دوره الأساسي في تدمير الأهداف ذات القوة النيرانية العالية، إلى جانب التعامل مع الأهداف التي تعترض القوات أثناء تقدمها.

وأشار إلى أن المدفعية اضطلعت خلال حرب أكتوبر بمهمتين رئيسيتين، الأولى تمثلت في تنفيذ التمهيد النيراني ضد قوات العدو الموجودة على الشاطئ الشرقي لقناة السويس وفي العمق، بينما تمثلت الثانية في معاونة القوات المصرية خلال تقدمها.

وأضاف أن المدفعية شاركت إلى جانب القوات الجوية في تنفيذ التمهيد النيراني، موضحًا أن الهدف لم يكن بالضرورة تدمير جميع القوات المدافعة، وإنما إضعافها إلى أقصى درجة وتقليل قدرتها على المقاومة، بما يسمح للقوات المصرية بمواصلة التقدم وتنفيذ أهدافها.

واستعاد العميد محمد عبد القادر أحد أصعب المواقف التي واجهها ليلة السادس من أكتوبر، عقب عبور القوات المصرية إلى الضفة الشرقية لقناة السويس، موضحًا أنه مع حلول الليل وإدراك قوات العدو وجود قوات مصرية عبرت القناة، بدأت نيران عشوائية تستهدف المنطقة، في وقت جعل فيه الظلام تحديد مصادر النيران أمرًا بالغ الصعوبة.

وأوضح أنه حفاظًا على أرواح الجنود من الشظايا، لجأت القوات إلى حفر براميل واستخدامها كمواضع احتماء أسفل سطح الأرض، مشيرًا إلى أنه كان حينها قائدًا لسرية مدفعية وكان مطالبًا بالتعامل مع بطارية مدفعية للعدو تستهدف القوات المصرية دون أن يتمكن من رؤيتها بصورة مباشرة.

وأشار إلى أن الطريقة التي ساعدته في تحديد موقع البطارية الإسرائيلية كانت تعتمد على رؤية وميض خروج القذيفة من أحد المدافع، موضحًا أن تحديد الهدف يتطلب معرفة عنصرين أساسيين هما الاتجاه والمسافة.

وقال إن تحديد الاتجاه كان ممكنًا باستخدام البوصلة، بينما تمثلت الصعوبة في تحديد المسافة، موضحًا أنه تذكر في تلك اللحظة قاعدة درسها الجميع في مادة الفيزياء، وهي أن المسافة تساوي السرعة مضروبة في الزمن.

وأوضح أنه كان يحسب الزمن الفاصل بين رؤية وميض إطلاق القذيفة ووصول صوتها إليه، وبالاستناد إلى سرعة الصوت تمكن من تقدير المسافة التقريبية التي تفصله عن مصدر النيران.

وأضاف أنه تمكن بهذه الطريقة من تقدير المسافة بنحو 1800 إلى 2000 متر، ثم وضع البيانات على الخريطة واستخرج عناصر الرمي اللازمة للمدافع المصرية، التي كانت تتمركز على الضفة الغربية للقناة وعلى مسافة تقدر بنحو 5 كيلومترات.

ولفت إلى أن القذيفة الأولى سقطت بالقرب من الهدف لكنها انحرفت، فجرى إجراء التصحيح اللازم، قبل أن تبدأ السرية في قصف مركز على البطارية الإسرائيلية، ما أدى في النهاية إلى إسكاتها.

وأكد أن القوات المصرية لم تتمكن من رؤية البطارية وهي تشتعل، لكنها شاهدت انفجارات متتابعة للذخائر قبل أن تتوقف البطارية عن إطلاق النيران تمامًا.

واعتبر عبد القادر أن إسكات البطارية كان من اللحظات التي يعتز بها كثيرًا، مشيرًا إلى أن تأثيرها لم يقتصر على معنوياته الشخصية، وإنما امتد إلى جنود المشاة والمدرعات الموجودين في المنطقة، الذين تمكنوا بعد توقف النيران من مواصلة تقدمهم وهم يهتفون «الله أكبر».

وتطرق إلى موقف آخر وصفه بالصعب، وقع ليلة 12 أكتوبر، عندما كان يتمركز في الحد الأمامي للقوات المصرية باعتباره ضابط مدفعية مسؤولًا عن إدارة النيران وتصحيحها على الأهداف، ولم يكن أمامه سوى مواقع العدو.

وأوضح أنه في نحو الساعة الثانية صباحًا سمع أصواتًا واحتكاكات غريبة أمام القوات المصرية، ما أثار الشك في محاولة مجموعة من جنود العدو الاقتراب من الموقع.

وقال إنه لجأ في تلك اللحظة إلى استخدام الذخيرة المضيئة، التي تطلقها المدفعية إلى أقصى مدى وأعلى ارتفاع، ثم تنفجر في الجو وتطلق شعلة مضيئة تهبط بواسطة مظلة، بما يوفر إضاءة واسعة للمنطقة.

وأضاف أنه بعد إضاءة المنطقة تبين وجود مجموعة من الجنود الإسرائيليين، يتراوح عددهم بين خمسة وستة جنود، على مسافة تراوحت بين 50 و60 مترًا، وكانوا يتحركون زحفًا باتجاه القوات المصرية.

وأشار إلى أن أصوات الاحتكاك التي سمعها كانت ناتجة عن اصطدام أسلحة الجنود بالأرض أثناء تحركهم، موضحًا أن ما جرى كان عملية إغارة يمكن أن تستهدف أسر أحد الجنود، أو إلقاء قنبلة يدوية لإحداث خسائر، أو الاستيلاء على وثائق وخرائط عسكرية للتعرف على خطط القوات المقابلة.

وأوضح أن الجنود الإسرائيليين فروا بمجرد إضاءة المنطقة، فيما لاحقهم الجنود المصريون وأطلقوا عليهم النيران بالأسلحة الصغيرة، ما أدى إلى إصابة أحدهم في كتفه وسقوطه أرضًا.

وأكد أن التعليمات كانت واضحة بعدم قتل الجندي المصاب، باعتبار أن ذلك يتعارض مع القواعد والقوانين الدولية، ولذلك جرى التعامل معه كأسير، خاصة أنه كان مصابًا.

وشدد العميد محمد عبد القادر على أن هذه المواقف، رغم صعوبتها وخطورتها، تركت أثرًا كبيرًا في ذاكرته، مؤكدًا أن نتائجها كانت إيجابية بالنسبة للقوات المصرية وأسهمت في مواصلة تنفيذ المهام والتقدم على الجبهة.

واختتم بالتأكيد على أن ما تحقق خلال حرب أكتوبر جاء نتيجة تضحيات وبطولات كبيرة قدمها أفراد القوات المسلحة المصرية، وما تحلوا به من شجاعة وانضباط وقدرة على التعامل مع المواقف الصعبة في ميدان القتال.