إثيوبيا على صفيح ساخن.. وقف الرحلات إلى لاليبيلا مع تصاعد القتال
توقفت الرحلات الجوية إلى مدينة لاليبيلا التاريخية في إثيوبيا، اليوم الخميس، بالتزامن مع تصاعد حدة القتال في المناطق المحيطة بها، وسط مخاوف متزايدة من اتساع رقعة المواجهات وعودة البلاد إلى حرب واسعة النطاق في إقليم تيجراي والمناطق المجاورة.
وتعد لاليبيلا واحدة من أهم المدن التاريخية والسياحية في إثيوبيا، وتشتهر بكنائسها القديمة المنحوتة بالكامل في الصخور، كما أنها مدرجة ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو.
وجاء تعليق الرحلات الجوية مع اشتداد المعارك في المناطق القريبة من المدينة، بينما أفادت معلومات محلية بأن الاشتباكات لم تصل إلى داخل لاليبيلا حتى الآن، رغم اقترابها من محيطها.
تصعيد عسكري هو الأخطر منذ حرب 2020
وتشهد إثيوبيا خلال الأيام الأخيرة تصعيدًا عسكريًا جديدًا بين القوات التابعة لجبهة تحرير شعب تيجراي والقوات الحكومية، في تطور يعد الأخطر منذ الحرب التي استمرت بين عامي 2020 و2022.
واستولت قوات تيجراي على ثلاثة مطارات محلية، بالتزامن مع شن هجمات في منطقتي عفار وأمهرة، بمشاركة جماعات مسلحة متحالفة معها.
ويعيد التصعيد الحالي إلى الواجهة المخاوف من انهيار الهدوء الذي أعقب اتفاق السلام الذي أنهى الحرب السابقة، خاصة في ظل استمرار الخلافات السياسية والعسكرية بين الحكومة الفيدرالية والقيادات في إقليم تيجراي.
الجيش الإثيوبي يعلن التصدي للهجمات
وفي أول إعلان رسمي بشأن التطورات العسكرية الأخيرة، قالت القوات المسلحة الإثيوبية إنها تمكنت من التصدي للهجمات التي شنتها قوات تيجراي وحلفاؤها.
وقال قائد القيادة الشمالية الشرقية في الجيش الإثيوبي، الفريق أسيفا تشيكول، إن العمليات العسكرية أسفرت عن مقتل 272 من المهاجمين وإصابة 260 آخرين، إلى جانب أسر عدد من المقاتلين.
وتشير الأرقام المعلنة إلى سقوط أكثر من 500 مقاتل بين قتيل وجريح وأسير، إلا أن هذه الأرقام لم يتسن التحقق منها بصورة مستقلة.
واتهمت الحكومة الإثيوبية جبهة تحرير شعب تيجراي بشن هجوم واسع النطاق، بينما تقول الجبهة إنها تخوض مواجهة دفاعية في مواجهة ما تصفه بهجمات تشنها الحكومة الفيدرالية باستخدام القوات البرية والطائرات المسيرة والمدفعية.
مخاوف من عودة الحرب إلى تيجراي
ويثير التصعيد الحالي مخاوف واسعة بين سكان إقليم تيجراي، خاصة أن المنطقة لم تتعاف بشكل كامل من آثار الحرب السابقة التي خلفت خسائر بشرية ومادية كبيرة.
وبدأ سكان في عدد من المدن، من بينها ميكيلي عاصمة الإقليم، في شراء كميات إضافية من المواد الغذائية وسحب الأموال من البنوك، تحسبًا لاحتمال فرض قيود على الحركة أو تعطل الإمدادات في حال اتساع نطاق المواجهات.
وشهدت الأسواق حالة من التهافت على شراء السلع الأساسية، وسط مخاوف من تكرار الظروف التي عاشها السكان خلال الحرب السابقة، عندما واجه الإقليم نقصًا في الغذاء والدواء وصعوبة في الحصول على الاحتياجات الأساسية.
نقص الغذاء والأدوية يثير القلق
وفي مدينة أديجرات القريبة من الحدود مع إريتريا، تحدث سكان عن حالة من القلق والتهافت على شراء المواد الغذائية، بالتزامن مع انخفاض بعض السلع من الأسواق.
كما تزايدت المخاوف بشأن توفر الأدوية الأساسية، مع ارتفاع أسعار بعض المستلزمات الطبية وصعوبة الحصول عليها.
وتزيد هذه التطورات من المخاوف الإنسانية في المنطقة، خصوصًا مع استمرار حالة عدم الاستقرار وتراجع قدرة السكان على تأمين احتياجاتهم الأساسية في ظل احتمالات استمرار القتال.
مخاوف من التجنيد القسري للشباب
وأفاد سكان في تيجراي بوجود عمليات تجنيد لشبان للمشاركة في المجهود الحربي، وسط مخاوف من اتساع نطاق التعبئة العسكرية.
وتحدث بعض السكان عن إجبار شباب على الانضمام إلى القوات المشاركة في القتال، بينما نفت جبهة تحرير شعب تيجراي في وقت سابق اتهامات مماثلة بوجود عمليات تجنيد قسري.
وتعيد هذه الاتهامات إلى الأذهان الأوضاع التي شهدها الإقليم خلال الحرب السابقة، عندما شارك عشرات الآلاف من المقاتلين في المعارك التي امتدت على مدار عامين.
الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي يدعوان إلى خفض التصعيد
ومع اتساع نطاق القتال، تصاعدت الدعوات الدولية إلى وقف التصعيد والعودة إلى المسار السياسي.
ودعت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي الأطراف المتنازعة إلى ضبط النفس، والعودة إلى عملية السلام التي قادها الاتحاد الأفريقي وأسفرت عن اتفاق أنهى الحرب السابقة.
وأكد الاتحاد الأوروبي أن الخلافات بين الأطراف الإثيوبية ينبغي التعامل معها من خلال الحوار، محذرًا من أن استمرار العمليات العسكرية قد يؤدي إلى زيادة التوتر وتعقيد فرص التوصل إلى تسوية سياسية.
تحالفات مسلحة جديدة في إثيوبيا
ويأتي التصعيد الأخير بالتزامن مع تطورات سياسية وعسكرية مهمة في إثيوبيا، بعدما أعلنت جبهة تحرير شعب تيجراي تشكيل تحالف مع ست جماعات مسلحة أخرى من مناطق مختلفة في البلاد.
ويضم التحالف جماعات كانت في السابق على خلاف أو مواجهة مع جبهة تحرير شعب تيجراي، ما يمثل تغيرًا في طبيعة التحالفات العسكرية داخل إثيوبيا.
ويهدف التحالف، وفق ما أعلنته الجماعات المشاركة فيه، إلى مواجهة الحكومة المركزية وإسقاط حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد.
اتهامات متبادلة بشأن دور إريتريا
وفي ظل هذه التطورات، تبادلت أطراف الأزمة الاتهامات بشأن التدخلات الخارجية ودعم الجماعات المسلحة.
واتهمت الحكومة الإثيوبية إريتريا بتقديم دعم مالي لبعض أطراف التحالف المسلح الجديد، بينما نفت أسمرة هذه الاتهامات.
وتأتي هذه الاتهامات في ظل توتر مستمر في العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا، إلى جانب أزمات أخرى تشهدها منطقة القرن الأفريقي، وعلى رأسها الحرب في السودان والتوترات المتعلقة بالبحر الأحمر.
القلق يتزايد بشأن استقرار القرن الأفريقي
ويخشى مراقبون من أن يؤدي استمرار القتال في شمال إثيوبيا إلى تداعيات تتجاوز حدود إقليم تيجراي، خاصة في ظل مشاركة جماعات مسلحة من مناطق مختلفة وتداخل الملفات الأمنية والسياسية في القرن الأفريقي.
كما يثير التصعيد مخاوف بشأن حركة المدنيين والطيران والإمدادات، خاصة بعد تعليق الرحلات الجوية إلى لاليبيلا، في الوقت الذي تحاول فيه السلطات احتواء المواجهات ومنع تحولها إلى حرب واسعة جديدة.
وتبقى التطورات الميدانية في شمال إثيوبيا مرهونة بمدى قدرة الأطراف المتصارعة على وقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار السياسي، وسط تحذيرات من تكرار التداعيات الإنسانية الكارثية التي خلفتها حرب تيجراي السابقة.

