القاهرة مباشر

ترامب وجوتيريش يختلفان حول الذكاء الاصطناعي.. «الروبوتات القاتلة» في قلب النقاش

الأربعاء 23 سبتمبر 2026 04:16 مـ 10 ربيع آخر 1448 هـ
ترامب وجوتيريش يختلفان حول الذكاء الاصطناعي.. «الروبوتات القاتلة» في قلب النقاش

تحول الذكاء الاصطناعي خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك إلى ملف يتجاوز حدود التكنولوجيا والاقتصاد، ليصبح قضية مرتبطة بالأمن والسياسة ومستقبل البشرية، وسط تباين واضح في مواقف قادة العالم بشأن الطريقة المثلى للتعامل مع التطور المتسارع لهذه التقنية.

وخلال افتتاح الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة، برز خلاف في الرؤى بين الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خاصة فيما يتعلق بمخاطر الذكاء الاصطناعي، وإمكانية وضع قواعد دولية لتنظيمه، وحدود الاعتماد على الأنظمة الذكية في القرارات الحساسة.

جوتيريش يحذر من ترك قرارات الحياة والموت للآلات

وضع أنطونيو جوتيريش الذكاء الاصطناعي ضمن التحولات الكبرى التي يمكن أن تعيد تشكيل موازين القوة عالميًا، محذرًا من سرعة تطور هذه التكنولوجيا مقارنة بقدرة المجتمعات والحكومات على استيعاب تداعياتها ووضع الضوابط اللازمة لاستخدامها.

وأكد الأمين العام للأمم المتحدة ضرورة تطوير ضمانات وقواعد تضمن استخدام الذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة، خصوصًا في المجالات التي يمكن أن تترتب عليها نتائج خطيرة على حياة البشر.

وكان ملف الأسلحة ذاتية التشغيل من أبرز النقاط التي ركز عليها جوتيريش، إذ دعا إلى عدم إسناد قرارات الحياة والموت إلى الآلات، محذرًا من مخاطر ما يعرف بـ«الروبوتات القاتلة»، في ظل التطور المتواصل للأنظمة القادرة على تحديد أهداف أو تنفيذ مهام عسكرية مع مستويات متزايدة من الاستقلالية.

ترامب يتحدث عن «الذكاء الخارق»

وبعد أقل من ساعة من كلمة جوتيريش، قدم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رؤية مختلفة لطريقة التعامل مع التطور التكنولوجي، إذ رفض ما وصفه بمحاولة إقامة منظومة عالمية للسيطرة على الذكاء الاصطناعي.

واستخدم ترامب تعبير «الذكاء الخارق» في حديثه عن التطورات المتقدمة في هذا المجال، معتبرًا أن المصطلح يعكس بصورة أفضل طبيعة التكنولوجيا التي يشهدها العالم حاليًا.

كما شكك الرئيس الأمريكي في التحذيرات التي تتوقع سيناريوهات كارثية بسبب الذكاء الاصطناعي، وربطها بتحذيرات سابقة أطلقت بشأن قضايا أخرى، في إشارة إلى رفضه ما يراه مبالغة في تصوير المخاطر المستقبلية للتكنولوجيا.

خلاف دولي حول تنظيم الذكاء الاصطناعي

يعكس التباين بين تصريحات جوتيريش وترامب خلافًا أوسع حول مستقبل الذكاء الاصطناعي، لا يتعلق فقط بحجم المخاطر، وإنما أيضًا بكيفية إدارتها.

فبينما يدفع الأمين العام للأمم المتحدة باتجاه وضع ضمانات وقواعد دولية للاستخدام المسؤول، ترى الإدارة الأمريكية أن فرض إطار عالمي واسع للتحكم في التكنولوجيا قد يفرض قيودًا على التطوير والابتكار والمنافسة التكنولوجية.

وتزداد أهمية هذا الخلاف في ظل المنافسة المتصاعدة في مجال الذكاء الاصطناعي بين القوى التكنولوجية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين، ما يجعل وضع قواعد موحدة قضية مرتبطة أيضًا بالاقتصاد والأمن القومي والسيادة التكنولوجية.

تحذيرات أممية من مخاطر الاستخدام غير المنضبط

ويتزامن النقاش السياسي في الأمم المتحدة مع تحذيرات بشأن التداعيات المحتملة للتوسع السريع في استخدام الذكاء الاصطناعي، والتي قد تمتد إلى الصحة النفسية والأنظمة الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، فضلًا عن المخاطر المرتبطة باستخدام التكنولوجيا في المجالات العسكرية.

وكان جوتيريش قد دعم خلال عام 2025 إنشاء هيئة علمية عالمية تابعة للأمم المتحدة متخصصة في الذكاء الاصطناعي، بهدف توفير قاعدة علمية مشتركة تساعد الحكومات على فهم التطورات والمخاطر المرتبطة بهذه التكنولوجيا.

وتسعى الأمم المتحدة من خلال هذه الجهود إلى تعزيز التعاون الدولي، في وقت أصبحت فيه قدرات الذكاء الاصطناعي تتطور بوتيرة سريعة، بينما تختلف مواقف الدول بشأن حجم التدخل التنظيمي المطلوب.

أوروبا تدعو إلى قواعد مشتركة

وشهدت اجتماعات الجمعية العامة أيضًا دعوات أوروبية لوضع قواعد مشتركة للتعامل مع الذكاء الاصطناعي، مع التركيز على حماية الفئات الأكثر تأثرًا بالتكنولوجيا والحفاظ على قدرة الدول على تطوير إمكاناتها الذاتية.

وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن المجتمع الدولي لا ينبغي أن ينتظر ظهور النتائج السلبية للتحرك، مشددًا على أهمية حماية الأطفال والشباب، إلى جانب تطوير قدرات أوروبية مستقلة في مجال الذكاء الاصطناعي.

وتعكس هذه الرؤية مخاوف أوروبية من الاعتماد المفرط على المراكز التكنولوجية الكبرى، مع السعي إلى امتلاك قدرات مستقلة تسمح للدول الأوروبية بالمشاركة في سباق الذكاء الاصطناعي بدلًا من الاكتفاء باستهلاك التقنيات التي تطورها أطراف أخرى.

فنلندا وبريطانيا تطرحان رؤية مختلفة

من جانبه، أكد الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب أن الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير واسع في مجالات العلم والاقتصاد والسياسة والأمن، فضلًا عن تأثيره المحتمل في الطريقة التي ينظر بها البشر إلى أنفسهم وإلى مستقبل الإنسانية.

وشدد ستوب على ضرورة بقاء الإنسان في موقع القيادة عند التعامل مع الذكاء الاصطناعي.

وفي بريطانيا، تحدث رئيس الوزراء آندي بورنهام عن أهمية العمل على مجموعة مشتركة من المبادئ والمعايير العالمية، بما يسمح للدول بالاستفادة من الإمكانات التي توفرها التكنولوجيا مع تقليل المخاطر المرتبطة بها، مشيرًا إلى أهمية الملف ضمن أولويات رئاسة بريطانيا لمجموعة العشرين في عام 2027.

«الروبوتات القاتلة» في قلب النقاش الدولي

يمثل استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري واحدة من أكثر القضايا حساسية في النقاش الدولي، خاصة مع تطور الأنظمة التي يمكنها تحليل كميات كبيرة من البيانات والمساعدة في تحديد الأهداف واتخاذ القرارات وتنفيذ بعض المهام بسرعة كبيرة.

وتتمثل إحدى القضايا الأساسية في مدى قدرة البشر على الاحتفاظ بالسيطرة على الأنظمة المتقدمة، وما إذا كانت هناك حاجة إلى وضع حدود واضحة أمام استخدامها في القرارات التي يمكن أن تؤدي إلى قتل أشخاص.

ولهذا السبب، يركز جوتيريش على ضرورة وجود ضمانات إضافية للأنظمة الأكثر قوة، وعلى تطوير فهم دولي مشترك لكيفية بناء واستخدام الذكاء الاصطناعي بصورة آمنة ومسؤولة.

مجلس الأمن يناقش الذكاء الاصطناعي

لم يقتصر الاهتمام الدولي بالذكاء الاصطناعي على الجمعية العامة، إذ يناقش مجلس الأمن الدولي الملف أيضًا خلال جلسة رفيعة المستوى في 23 سبتمبر، في ظل تصاعد المخاوف بشأن تأثير التكنولوجيا في السلم والأمن الدوليين.

وتشارك في النقاش شخصيات بارزة من قطاع التكنولوجيا، من بينها سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، وداريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، إلى جانب كليمنت ديلانج من شركة «هاجينج فيس».

وتأتي الجلسة بدفع من فرنسا، التي تتولى رئاسة مجلس الأمن خلال سبتمبر، لبحث التأثيرات المحتملة للذكاء الاصطناعي على الأمن الدولي.

من التكنولوجيا إلى الأمن والسيادة

يكشف النقاش داخل الأمم المتحدة أن الذكاء الاصطناعي لم يعد ملفًا تقنيًا منفصلًا، وإنما أصبح مرتبطًا بقضايا الأمن القومي والاقتصاد والسيادة والتنافس الدولي.

وفي الوقت الذي يدعو فيه جوتيريش إلى ضمانات وضوابط تحول دون فقدان البشر السيطرة على الأنظمة شديدة القوة، تركز الولايات المتحدة على الحفاظ على القدرة على الابتكار والمنافسة التكنولوجية، بينما تبحث دول أخرى عن حلول وسط تجمع بين التطوير ووضع قواعد للاستخدام المسؤول.

وبين هذه الرؤى المختلفة، يتواصل السباق العالمي لتطوير أنظمة أكثر قدرة، بينما يظل السؤال الأساسي المطروح أمام المجتمع الدولي هو كيفية تحقيق الاستفادة من الذكاء الاصطناعي، مع الحد من المخاطر التي قد تنتج عن استخدامه في المجالات الحساسة.